عبد الكريم الخطيب
1117
التفسير القرآنى للقرآن
الصورة كانت تتطلع كثير من النفوس إلى هيئتها التي تكون عليها ، لو أنها أطلّت بوجهها ، وكشفت عن حال أصحابها ، كما كشفت الصورة السابقة عن المؤمنين ، وعن حالهم الطيبة المسعدة . . فالمؤمنون باللّه ينظرون إلى من خلّفوهم وراءهم على طريق الكفر والضلال ، ليروا ما صنع اللّه بهم . . وغير المؤمنين ، ينظرون إلى مكانتهم بعد أن رأوا المؤمنين ، وقد ورثوا جنات النعيم . ولكن كان من رحمة اللّه بهؤلاء الضالين الغاوين ، أن حجب عنهم صورتهم السيئة المنكرة ، ولم يكشف لهم عن المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه ، إذا وقفوا حيث هم على موارد الضلال والغواية . وبدلا من أن يكشف اللّه لهم عن حالهم السيئة ، وينزلهم منازل الهون والبلاء - دعاهم إليه ، ومنحهم فرصة أخرى ، يراجعون فيها أنفسهم ، ويتدبرون حالهم ، ويرجعون إلى اللّه من قريب ، ليكونوا في المؤمنين المفلحين ، فعرض عليهم سبحانه وتعالى شيئا من مظاهر قدرته ، وعلمه ، وحكمته . . يجدونها - لو عقلوا - في أقرب شئ إليهم . . في أنفسهم ، وفي عجائب قدرة اللّه ، وبالغ حكمته . . إذ أخرج من التراب هذا الإنسان ، السميع البصير ، العاقل ، الناطق ، الذي عمر هذه الأرض ، وتسلّط على حيوانها ونباتها وجمادها . . ففي هذه النظرة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه ، وإلى أصل نشأته ، وتطوره في الحياة ، وتنقله في الخلق - في هذه النظرة ، يرى الإنسان أن يدا حكيمة قادرة ، هي التي أوجدته ، وأخرجته على هذه الصورة ، التي لا وجه للشبه بينها وبين هذا التراب الهامد الذي ولدت منه . . فكيف لا يولى الإنسان وجهه إلى الذي فطره وصوّره ، وأقامه على هذا العالم الأرضي خليفة للّه فيه ؟ وكيف لا يدين لخالقه ورازقه بالطاعة والولاء ؟ ثم كيف يعطى يديه ، ويسلم زمامه لأحجار ينحتها ، أو لحيوان يربيه ، أو لإنسان هو مخلوق مثله ؟ ذلك ضلال مبين .