عبد الكريم الخطيب
1081
التفسير القرآنى للقرآن
تلك هي القصة ، أو الأكذوبة ، كما جاءت في كتب السير ، وعلى ألسنة القصاص ، ونقلها المفسّرون ، وتداولها اللاحق منهم عن السابق ، وذلك أسلوب من أساليب دفعها ، وتكذيبها . والقصة أو الأكذوبة - كما ترى - مهلهلة النسج ، واهية البناء ، أراد مخرجوها أن يخفوا عوارها ، ويداروا هزالها ، فألقوا إليها كثيرا من الرقع ، حتى لكاد يختفى الأصل ، ولا يرى منها إلا تلك المرقعات التي أضيفت إليها ! فالمادّة التي تخلّقت منها القصة ، مادة فاسدة ، لا يتخلّق منها شئ يصلح أن يعيش في الحياة ، وأن يكتب له بقاء في عالم الأحياء . ونسأل : ما مضمون هذا الخبر في قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ » . أليس من معنى هذا أن التمني ليس حالا واحدة تعرض للنبىّ في حياته ، وإنما هي أمنيات تعيش مع النبي أو الرسول حياته كلها ، وأنه كلّما تمنّى أمنية ألقى الشيطان فيها ؟ . فكيف لا يلقى الشيطان في أمنية النبىّ إلا في هذه المرة ؟ وما ذا يحول بينه وبين أن يلقى في كل أمنيّة للنبىّ ؟ أليس هذا مما يتمناه الشيطان ، ويعمل له جهده لو استطاع إليه سبيلا ؟ . وأكثر من هذا ، فإن الذين يقولون بقصّة الغرانقة العلى ، يذهبون إلى أن التّمنى ، ليس معناه من الأمانىّ ، وإنما معناه القراءة ، ويستشهدون لذلك بهذا البيت اليتيم من الشعر ، وهو من قول حسان بن ثابت في عثمان رضى اللّه عنه . تمنّى كتاب اللّه أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر