عبد الكريم الخطيب

995

التفسير القرآنى للقرآن

يعبد اللّه على حرف ، أي على جانب واحد ، دون أن يعطى اللّه وجوده كلّه . فإن أصابه في دنياه خير ومسّته عافية ، اطمأن ، ووضع رجليه معا على طريق الإيمان . . وإن أصابه شئ ابتلى به في ماله ، أو ولده أو نفسه « انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ » أي أعطى الإيمان ظهره . . وأنكر اللّه ، وتنكّر له ، ونسي نعمته عليه ، وإحسانه إليه . وهذا نفاق مع اللّه ، أقبح وجها ، وأشد نكرا من النفاق الذي يعيش به المنافقون في الناس . . إنه مكر باللّه ، واستخفاف به - وفي قوله تعالى : « خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ » إشارة إلى أن هذا النفاق مع اللّه يقضى على صاحبه بخسران الدنيا والآخرة جميعا . . فهو قد خسر الدنيا ، لأن ما ابتلاه اللّه ، لا يدفعه عنه هذا الكفر باللّه ، الذي لقى به ابتلاء اللّه له . . وهو قد خسر الآخرة ، لأنه سيلقى اللّه على كفره هذا ، وللكافرين عذاب أليم . وقوله تعالى : « ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ » أي الخسران العظيم الواضح ، الذي ليس فيه شبهة . . إذ كانت خسارة الدنيا فيه محققة ، لأنها وقعت فعلا ، ولو كان مؤمنا باللّه ، لوجد في التسليم له والرضا بقضائه ، عزاء يخفف من مصابه ، ويهوّن من مصيبته . . وخسارة الآخرة ستتحقق أيضا ، لأنها واقعة لا شك فيها ، إذ هكذا سيعلم هذا الذي يعبد اللّه على حرف ، وإن فتنه الابتلاء ، وأضلّه عن سواء السبيل . . قوله تعالى : « يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ » .