عبد الكريم الخطيب

6

التفسير القرآنى للقرآن

هو الضبط ، والحزم في تنفيذ الخطّة التي رسمها العلم . فهو بعلمه قد كشف عن الداء ، وعرف الدواء ، وبحزمه وضبطه قادر على أن يحمل المريض على التزام ما يرسمه له من أسلوب الحياة ، وما يقدّم إليه من دواء ، وإن كان مرّا . . فالمشكلة التي تواجه مصر في هذا الوقت كانت محتاجة إلى الحزم الصارم ، وأخذ الناس على طريق مرسوم لا يحيدون عنه ، وإلا كان الهلاك والبلاء ! . . إن مصر يومئذ كانت تستقبل سبع سنوات من الخصب والخير ، ثم تستقبل بعدها سبع سنين من الجدب والقحط . . فإذا لم تعمل من يومها حسابا لغدها ، وإذا لم تستبق من سنوات الخصب ما يسدّ حاجتها في سنوات الجدب ، كان في ذلك البلاء الشامل ، الذي يأتي على كل حياة فيها . . وأمر كهذا لا بد أن يكون الحزم والضبط أول خطة يختطها ولىّ الأمر مع الناس ، ويأخذهم بها ، وإلا فإن الناس قد ينسون في يومهم ما هم في حاجة إليه لغدهم ، إذ النفس مولعة بحبّ العاجل ، لا تلتفت كثيرا إلى المستقبل وتوقعاته ، وفي ذلك ضياع لهم ، حين تقع الواقعة بهم ، ولم يكونوا قد أخذوا عدّتهم لها . ومن أجل هذا ، قدّم الحفظ على العلم : « إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » . فالصفتان ، وإن كانتا مطلوبتين لمواجهة هذا الأمر هنا ، إلا أن الحفظ أولى ، وأهم من العلم . . إذ قد يستغنى الحفظ هنا عن العلم ، ويتحقق للناس بعض الخير ، أو كثير منه . . على حين أنه لو استغنى العلم عن الحفظ لما تحقق للناس ، في هذه الحال ، خير أبدا ، ولكان العلم مجرد حقائق مرسومة في كلمات ، أو مودعة في كتاب . . فإذا اجتمع الحفظ والعلم ، اجتمع الخير كلّه . وفي القرآن الكريم موقف شبيه بهذا الموقف ، فيما كان بين « موسى »