عبد الكريم الخطيب

4

التفسير القرآنى للقرآن

فالاستثناء في قوله تعالى : « إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي » متعلق بالسوء . . بمعنى أن النفس تأمر بالسوء وتدفع إليه ، وأن الناس تبع لما تأمرهم به أنفسهم ، فيأتون كل ما تسوّل لهم به ، إلّا ما أراد اللّه دفعه عنهم من سوء ، رحمة منه ، ولطفا بعباده ! وهذا بعض السرّ في كلمة « ما » التي لغير العاقل . وهذا يعنى أن الناس جميعا - بلا استثناء - واقعون تحت سلطان أنفسهم ، وأن هذا السلطان غالب عليهم ، وأن رحمة اللّه هي التي تعصم من تعصمه منهم من مواقعة المنكرات ، واقتراف الآثام ، وإن كان ذلك لا يمنع من أن تقع منهم الهفوات والزلات ، فكل ابن آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون . « إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ » ففي رحمة اللّه ومغفرته تغسل السيئات وتمحى الذنوب . . لمن تاب إلى اللّه ، ورجع إليه من قريب . ويجوز أن يكون هذا من كلام يوسف ، على اعتبار أن من قوله كذلك : « ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ » - كما أشرنا إلى ذلك من قبل ، وأن هذا معطوف على ذاك ، ليقرر به أنه لا يبرّئ نفسه براءة مطلقة من هذا الأمر ، وأنه قد كان منه رغبة ، وهمّ ، ولكن اللّه عصمه وسلّمه . . وهذا الحديث إذا كان من يوسف ، فإنه يكون بينه وبين نفسه ، معلّقا به على مجرى الأحداث من حوله . . قوله تعالى : « وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي . . فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ » . . أستخلصه لنفسي : أي أجعله خالصا لي ، أصطفيه ، وأستأثر به . وهكذا يخرج يوسف من السجن إلى حيث يجلس مجلس الإمارة والسلطان ، فيكون من خاصة الملك ، المقربين إليه ، المشاركين له في الحكم والسلطان . . !