عبد الكريم الخطيب

892

التفسير القرآنى للقرآن

اللّه بعباده ، وتفضله على المذنبين العصاة منهم ، وهم الذين لم يتوبوا إلى اللّه ، ولم ينزعوا عما اقترفوا من إثم . . فهؤلاء مذنبون عصاة ، ينتظرون حكم اللّه فيهم ، إن شاء أخذهم بذنوبهم فعذّبهم ، وإن شاء عاد بفضله عليهم ، فعفا عنهم ، هكذا كرما منه وفضلا . . وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة : « نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » ( 56 : يوسف ) ولا يردّ على هذا ، بأنّ ذلك مما يبطل عمل العاملين ، ويسوّى بين المحسنين والمسيئين ، كما أنه يناقض قوله تعالى : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » وقوله سبحانه : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » . ونقول : إن اللّه سبحانه وتعالى بإحسانه إلى المسيئين ، وتجاوزه عن سيئاتهم لا يجور على عمل المحسنين ، ولا ينقص من إحسانهم شيئا ، بل إنه سبحانه يوفّيهم أجرهم غير منقوص ، كما يقول سبحانه : « وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » . أما التسوية بين المحسنين والمسيئين : فليست واقعة على إطلاقها . . وذلك : أولا : أن المحسن مجزىّ بإحسانه ، بلا شك ، كما يقول سبحانه : « وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » . . أما المسئ فهو في منزلة بين منزلتين : إما أن يأخذه اللّه بذنبه ، وهذا هو الوجه الذي يطلّ عليه من سوء عمله ، وإما أن يتجاوز اللّه عنه ، ويعود بفضله عليه ، وهذا هو الوجه الذي يطلع عليه من رحمة ربّه ! وثانيا : أنه ليس إحسان المحسن وحده هو الذي يدخله الجنة ، وإنما قبل ذلك كلّه ، هو شموله برحمة اللّه ، كما في الحديث الشريف : « لا يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قيل ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » . . رحمة اللّه التي وسعت كلّ شئ . . تنال البر والفاجر .