الغزالي

53

إحياء علوم الدين

فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع ، إما بحكم الشرع ، وإما بحكم المروءة . وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره . ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض ، ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال . فإن صيانة الدين أهم من حفظ المال . فمانع الزكاة والنفقة بخيل : وصيانة المروءة أهم من حفظ المال . والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه ، هاتك ستر المروءة لحب المال ، فهو بخيل . ثم تبقى درجة أخرى ، وهو أن يكون الرجل ممن يؤدى الواجب ، ويحفظ المروءة ، ولكن معه مال كثير قد جمعه . ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين . فقد تقابل غرض حفظ المال ، ليكون له عدة على نوائب الزمان . وغرض الثواب ، ليكون رافعا لدرجاته في الآخرة . وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس ، وليس ببخل عند عوام الخلق . وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا ، فيرون إمساكه لدفع نوائب الزمان مهما . وربما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه ، إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال ، قد أديت الزكاة الواجبة ، وليس على غيرها : ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله ، وباختلاف شدة حاجة المحتاج ، وصلاح دينه ، واستحقاقه فمن أدى واجب الشرع ، وواجب المروءة اللائقة به ، فقد تبرأ من البخل . نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ، ما لم يبذل زيادة على ذلك ، اطلب الفضيلة ، ونيل الدرجات فإذا اتسعت نفسه لبذل المال ، حيث لا يوجبه الشرع ، ولا تتوجه إليه الملامة في العادة فهو جواد ، بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير . ودرجات ذلك لا تحصر . وبعض الناس أجود من بعض . فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة ، هو الجود . ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ، ولا يكون عن طمع ، ورجاء خدمة ، أو مكافأة أو شكر ، أو ثناء . فإن من طمع في الشكر والثناء ، فهو بياع ، وليس بجواد . فإنه يشترى المدح بماله . والمدح لذيذ ، وهو مقصود في نفسه . والجود هو بذل الشيء من غير عوض هذا هو الحقيقة ، ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى . وأما الآدمي ، فاسم الجود عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض . ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة ، أو اكتساب فضيلة الجود ، وتطهير النفس عن رذالة البخل ، فيسمى جوادا . فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا ، أو من ملامة الخلق ، أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه ، فكل ذلك