الغزالي

54

إحياء علوم الدين

ليس من الجود ، لأنه مضطر إليه بهذه البواعث ، وهي أعواض معجلة له عليه ، فهو معتاض لا جواد ، كما روى عن بعض المتعبدات ، أنها وقفت على حبان بن هلال ، وهو جالس مع أصحابه ، فقالت هل فيكم من أسأله عن مسألة ؟ فقالوا لها سلي عما شئت ، وأشاروا إلى حبان ابن هلال . فقالت ما السخاء عندكم ؟ قالوا العطاء ، والبذل ، والإيثار . قالت هذا السخاء في الدنيا ؟ فما السخاء في الدين ؟ قالوا أن نعبد الله سبحانه ، سخية بها أنفسنا ، غير مكرهة قالت فتريدون على ذلك أجرا ؟ قالوا نعم ، قالت ولم ؟ قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثالها . قالت سبحان الله ، فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة ، فبأي شيء تسخيتم عليه ؟ قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله ؟ قالت السخاء عندي ، أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته ، غير كارهين ، لا تريدون على ذلك أجرا ، حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم ، فيعلم منها أنكم تريدون شيئا بشيء ؟ إن هذا في الدنيا لقبيح . وقالت بعض المتعبدات ، أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط ؟ قيل ففيم ؟ قالت السخاء عندي في المهج . وقال المحاسبي ، السخاء في الدين أن تسخو بنفسك تتلفها لله عز وجل ، ويسخو قلبك ببذل مهجتك ، وإهراق دمك لله تعالى ، بسماحة من غير إكراه ، ولا تريد بذلك ثوابا عاجلا ولا آجلا . وإن كنت غير مستغن عن الثواب . ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء ، بترك الاختيار على الله ، حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك بيان علاج البخل اعلم أن البخل سببه حب المال . ولحب المال سببان : أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل . فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ، ربما أنه كان لا يبخل بماله ، إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم ، أو في شهر ، أو في سنة ، قريب . وإن كان قصير الأمل ، ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل ، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه ،