الغزالي

52

إحياء علوم الدين

وبينهما وسط وهو المحمود ، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه ، إذ لم يؤمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلا بالسخاء . وقد قيل له * ( ( ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) ) * « 1 » وقال تعالى * ( والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) * « 2 » . فالجود وسط بين الإسراف والاقتار ، وبين البسط والقبض . وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ، ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ، ما لم يكن قلبه طيبا به ، غير منازع له فيه . فإن بذل في محل وجوب البذل ، ونفسه تنازعه ، وهو يصابرها فهو متسخ . وليس بسخي . بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال ، إلا من حيث يراد المال له ، وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه . فإن قلت : فقد سار هذا موقوفا على معرفة الواجب ، فما الذي يجب بذله . فأقول ، إن الواجب قسمان ، واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة والعادة . والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ، ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما ، فهو بخيل . ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل . كالذي يمنع أداء الزكاة ، ويمنع عياله وأهله النفقة ، أو يؤديها ولكنه يشق عليه ، فإنه بخيل بالطبع ، وإنما يتسخى بالتكلف . أو الذي يتيم الخبيث من ماله ، ولا يطيب قلبه أن يعطى من أطيب ماله ، أو من وسطه ، فهذا كله بخل . وأما واجب المروءة ، فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات . فإن ذلك مستقبح ، واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فمن كثر ماله ، استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة . ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله ، وأقاربه ، ومماليكه ، ما لا يستقبح مع الأجانب . ويستقبح من الجار ، ما لا يستقبح مع البعيد . ويستقبح في الضيافة من المضايقة ، ما لا يستقبح في المعاملة . فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة ، في ضيافة ، أو معاملة . وبما به المضايقة ، من طعام ، أو ثوب . إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها . ويستقبح في شراء الكفن مثلا ، أو شراء الأضحية ، أو شراء خبز الصدقة ، ما لا يستقبح في غيره من المضايقة : وكذلك بمن معه المضايقة ، من صديق ، أو أخ ، أو قريب ، أو زوجة ، أو ولد ، أو أجنبي . وبمن منه المضايقة ، من صبي أو امرأة ، أو شيخ ، أو شاب ، أو عالم ، أو جاهل ، أو موسر ، أو فقير .

--> « 1 » الاسراء : 29 . « 2 » الفرقان : 67