الغزالي

51

إحياء علوم الدين

ليس هذا من البخل . وما من إنسان إلا ويجد من نفسه حبا للمال ، ولأجله يحفظ المال ويمسكه فإن كان يصير بإمساك المال بخيلا ، فإذا لا ينفك أحد عن البخل . وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل ، ولا معنى للبخل إلا الإمساك ، فما البخل الذي يوجب الهلاك ؟ وما حد السخاء الذي يستحق به العبد صفة السخاوة وثوابها فنقول . قد قال قائلون حد البخل منع الواجب . فكل من أدى ما يجب عليه ، فليس ببخيل وهذا غير كاف . فإن من يرد اللحم مثلا إلى القصاب ، والخبز للخباز ، بنقصان حبة أو نصف حبة ، فإنه يعد بخيلا بالاتفاق . وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يقرضه القاضي ، ثم يضايقهم في لقمة ازدادوها عليه ، أو تمرة أكلوها من ماله ، يعد بخيلا . ومن كان بين يديه رغيف ، فحضر من يظن أنه يأكل معه ، فأخفاه عنه ، عد بخيلا وقال قائلون البخيل هو الذي يستصعب العطية . وهو أيضا قاصر ، فإنه إن أريد به أنه يستصعب كل عطية ، فكم من بخيل لا يستصعب العطية القليلة ، كالحبة وما يقرب منها ، ويستصعب ما فوق ذلك . وإن أريد به أنه يستصعب بعض العطايا فما من جواد إلا وقد يستصعب بعض العطايا ، وهو ما يستغرق جميع ماله ، أو المال العظيم . فهذا لا يوجب الحكم بالبخل وكذلك تكلموا في الجود ، فقيل : الجود عطاء بلا من ، وإسعاف من غير روية وقيل : الجود عطاء من غير مسألة ، على رؤية التقليل . وقيل : الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن . وقيل . الجود عطاء على رؤية أن المال الله تعالى ، والعبد لله عز وجل ، فيعطى عبد الله مال الله ؟ على غير رؤية الفقر وقيل . من أعطى البعض ، وأبقى البعض ، فهو صاحب سخاء . ومن بذل الأكثر ، وأبقى لنفسه شيئا . فهو صاحب جود . ومن قاسى الضر ، وآثر غيره بالبلغة ، فهو صاحب إيثار . ومن لم يبذل شيئا ، فهو صاحب بخل وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة الجود والبخل . بل نقول ، المال خلق لحكمة ومقصود ، وهو صلاحه لحاجات الخلق . ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ، ويمكن التصرف فيه بالعدل ، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ، ويبذل حيث يجب البذل ، فالإمساك حيث يجب البذل بخل ، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير ،