الغزالي
30
إحياء علوم الدين
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهم ، عن المروءة ، والنجدة ، والكرم . فقال أما المروءة ، فحفظ الرجل دينه ، وحذره نفسه ، وحسن قيامه بضيفه ، وحسن المنازعة والإقدام في الكراهية . وأما النجدة ، فالذب عن الجار ، والصبر في المواطن . وأما الكرم . فالتبرع بالمعروف قبل السؤال ، والإطعام في المحل ، والرأفة بالسائل ، مع بذل النائل ورفع رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما رقعة ، فقال حاجتك مقضية . فقيل له يا ابن رسول الله ، لو نظرت في رقعته ، ثم رددت الجواب على قدر ذلك ؟ فقال ، يسألني الله عز وجل عن ذل مقامه بين يديّ حتى اقرأ رقعته . وقال ابن السماك ، عجبت لمن يشترى المماليك بماله . ولا يشترى الأحرار بمعروفه . وسئل بعض الأعراب ، من سيدكم ؟ فقال من احتمل شتمنا . وأعطى سائلنا ، وأغضى عن جاهلنا . وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما ، من وصف ببذل ماله لطلابه ، لم يكن سخيا . وإنما السخي من يبتدئ بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ، ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له ، إذا كان يقينه بثواب الله تاما . وقيل للحسن البصري ، ما السخاء ؟ فقال أن تجود بمالك في الله عز وجل . قيل فما الحزم ؟ قال أن تمنع مالك فيه . قيل فما الإسراف ؟ قال الإنفاق لحب الرئاسة وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه ، لا مال أعون من العقل ، ولا مصيبة أعظم من الجهل ، ولا مظاهرة كالمشاورة . ألا وإن الله عز وجل يقول ، إني جواد كريم ، لا يجاورني لئيم . واللؤم من الكفر ، وأهل الكفر في النار . والجود والكرم من الإيمان ، وأهل الإيمان في الجنة . وقال حذيفة رضي الله عنه ، رب فاجر في دينه ، أخرق في معيشته ، يدخل الجنة بسماحته . وروى أن الأحنف بن قيس رأى رجلا في يده درهم . فقال لمن هذا الدرهم ؟ فقال لي . فقال أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك . وفي معناه قيل أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك وسمى واصل بن عطاء الغزال ، لأنّه كان يجلس إلى الغزالين . فإذا رأى امرأة ضعيفة أعطاها شيئا . وقال الأصمعي . كتب الحسن بن علي ، إلى الحسين بن علي رضوان الله عليهم