الغزالي
14
إحياء علوم الدين
فإذا استشعر القدرة عليها ، انبعثت داعيته . والمال نوع من القدرة ، يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور . فإن اقتحم ما اشتهاه هلك . وإن صبر وقع في شدة ، إذ الصبر مع القدرة أشد . وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء الثانية : أنه يجر إلى التنعم في المباحات ، وهذا أول الدرجات . فمتى يقدر صاحب المال على أن يتناول خبز الشعير ، ويلبس الثوب الخشن ، ويترك لذائذ الأطعمة ، كما كان يقدر عليه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في ملكه ، فأحسن أحواله أن يتنعم بالدنيا ، ويمرن عليها نفسه ، فيصير التنعم مألوفا عنده ، ومحبوبا لا يصبر عنه . ويجره البعض منه إلى البعض ، فإذا اشتد أنسه به ، ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال ، فيقتحم الشبهات ، ويخوض في المرآة ، والمداهنة ، والكذب ، والنفاق ، وسائر الأخلاق الرديئة لينتظم له أمر دنياه ، ويتيسر له تنعمه . فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ومن احتاج إلى الناس فلا بد وأن ينافقهم ، ويعصى الله في طلب رضاهم . فإن سلم الإنسان من الآفة الأولى ، وهي مباشرة الحظوظ ، فلا يسلم عن هذه أصلا . ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة ، وينشأ عنه الحسد ، والحقد ، والرياء ، والكبر ، والكذب ، والنميمة ، والغيبة ، وسائر المعاصي التي تخص القلب واللسان ، ولا يخلو عن التعدي أيضا إلى سائر الجوارح ، وكل ذلك يلزم من شؤم المال ، والحاجة إلى حفظه وإصلاحه الثالثة : وهي التي لا ينفك عنها أحد ، وهو أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى . وكل ما شغل العبد عن الله فهو خسران ، ولذلك قال عيسى عليه الصلاة والسلام ، في المال ثلاث آفات . أن يأخذه من غير حله . فقيل إن أخذه من حله ؟ فقال يضعه في غير حقه . فقيل إن وضعه في حقه ؟ فقال يشغله إصلاحه عن الله تعالى . وهذا هو الداء العضال . فإن أصل العبادات ومخها وسرها ذكر الله ، والتفكر في جلاله . وذلك يستدعى قلبا فارغا . وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته ، وفي خصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود ، وخصومة أعوان السلطان في الخراج ، وخصومة الأجراء على التقصير في العمارة ، وخصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم . وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة شريكه ، وانفراده بالربح ، وتقصيره في العمل ، وتضييعه للمال . وكذلك