الغزالي
15
إحياء علوم الدين
صاحب المواشي ، وهكذا سائر أصناف الأموال . وأبعدها عن كثرة الشغل ، النقد المكنوز تحت الأرض ، ولا يزال الفكر مترددا فيما يصرف إليه ، وفي كيفية حفظه ، وفي الخوف مما يعثر عليه ، وفي دفع أطماع الناس عنه . وأدوية أفكار الدنيا لا نهاية لها . والذي معه قوت يومه في سلامة من جميع ذلك . فهذه جملة الآفات الدنيوية ، سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف ، والحزن ، والغم ، والهم ، والتعب في دفع الحساد ، وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه . فإذا ترياق المال أخذ القوت منه ، وصرف الباقي إلى الخيرات . وما عدا ذلك سموم وآفات ، نسأل الله تعالى السلامة وحسن العون بلطفه وكرمه ، إنه على ذلك قدير بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس مما في أيدي الناس اعلم أن الفقر محمود كما أوردناه في كتاب الفقر . ولكن ينبغي أن يكون الفقير قانعا منقطع الطمع عن الخلق ، غير ملتفت إلى ما في أيديهم ، ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم ، والملبس ، والمسكن . ويقتصر على أقله قدرا ، وأخسه نوعا . ويرد أمله إلى يومه ، أو إلى شهره ، ولا يشغل قلبه بما بعد شهر . فإن تشوق إلى الكثير ، أو طول أمله ، فاته عز القناعة ، وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص . وجره الحرص والطمع إلى مساوى الأخلاق ، وارتكاب المنكرات الخارقة للمروآت . وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع ، وقلة القناعة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلَّا التّراب ويتوب الله على من تاب » [ 2 ] وعن أبي واقد الليثي ، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى إليه ، أتيناه يعلمنا مما أوحى إليه . فجئته ذات يوم فقال « إنّ الله عزّ وجلّ يقول إنّا أنزلنا المال لإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ولو كان لابن آدم