الغزالي
13
إحياء علوم الدين
إلا من يصطنع المعروف ، ويسلك سبيل المروءة والفتوة . وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا ، والضيافات ، وإطعام الطعام ، من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها . وأما وقاية العرض ، فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء ، وثاب السفهاء ، وقطع ألسنتهم ، ودفع شرهم وهو أيضا مع تنجز فائدته في العاجلة ، من الحظوظ الدينية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة » وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة ، واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة ، التي تحمل في المكافأة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة وأما الاستخدام . فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة ، ولو تولاها بنفسه صناعت أوقاته ، وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر ، الذي هو أعلى مقامات السالكين . ومن لا مال له فيفتقر إلى أن يتولى بنفسه خدمة نفسه . من شراء الطعام ، وطحنه ، وكنس البيت ، حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه . وكل ما يتصور أن يقوم به غيرك ، ويحصل به غرضك ، فأنت متعوب إذا اشتغلت به . إذ عليك من العلم والعمل . والذكر والفكر ، ما لا يتصور أن يقوم به غيرك ، فتضييع الوقت في غيره خسران النوع الثالث : ما لا يصرفه إلى إنسان معين ، ولكن يحصل به خير عام ، كبناء المساجد والقناطر ، والرباطات ، ودور المرضى ، ونصب الحباب في الطريق ، وغير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات . وهي من الخيرات المؤبدة ، الدارة بعد الموت ، المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية . وناهيك بها خيرا . فهذه جملة فوائد المال في الدين ، سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال ، وحقارة الفقر ، والوصول إلى العز والمجد بين الخلق ، وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء ، والوقار والكرامة في القلوب . فكل ذلك مما يقتضيه المال من الحظوظ الدنيوية وأما الآفات فدينية ، ودنيوية . أما الدينية فثلاث الأولى : أن تجر إلى المعاصي ، فإن الشهوات متفاضلة ، والعجز قد يحول بين المرء والمعصية ومن العصمة أن لا يجد . ومهما كان الإنسان آيسا عن نوع من المعصية ، لم تتحرك داعيته