الغزالي

12

إحياء علوم الدين

من كان عبد الغير الله فهو عابد صنم أي من قطعه ذلك عن الله تعالى ، وعن أداء حقه ، فهو كعابد صنم . وهو شرك ، إلَّا أن الشرك شركان ، شرك خفى لا يوجب الخلود في النار ، وقلما ينفك عنه المؤمنون ، فإنه أخفى من دبيب النمل ، وشرك جلى . يوجب الخلود في النار نعوذ باللَّه من الجميع بيان تفصيل آفات المال وفوائده اعلم أن المال مثل حية فيها سم وترياق . ففوائده ترياقه ، وغوائله سمومه . فمن عرف غوائله وفوائده ، أمكنه أن يحترز من شره ، ويستدر من خيره أما الفوائد : فهي تنقسم إلى دنيوية ودينية . أما الدنيوية ، فلا حاجة إلى ذكرها ، فإن معرفتها مشهورة ، مشتركة بين أصناف الخلق . ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها وأمّا الدينية فتنحصر جميعا في ثلاثة أنواع النوع الأول : أن ينفقه على نفسه ، إما في عبادة ، أو في الاستعانة على عبادة . أما في العبادة ، فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد ، فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال ، وهما من أمهات القربات . والفقير محروم من فضلهما . وأما فيما يقويه على العبادة ، فذلك هو المطعم والملبس ، والمسكن ، والمنكح ، وضرورات المعيشة . فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر ، كان القلب مصروفا إلى تدبيرها ، فلا يتفرغ للدين . وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة على الدين ، من الفوائد الدينية . ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة على الحاجة ، فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط النوع الثاني : ما يصرفه إلى الناس . وهو أربعة أقسام ، الصدقة ، والمروءة ، ووقاية العرض ، وأجرة الاستخدام . أما الصدقة ، فلا يخفى ثوابها ، وإنها لتطفئ غضب الرب تعالى ، وقد ذكرنا فضلها فيما تقدم . وأما المروءة ، فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف ، في ضيافة ، وهدية ، وإيمانة ، وما يجرى مجراها ، فإن هذه لا تسمى صدقة . بل الصدقة ما يسلم إلى المحتاج . إلا أن هذا من الفوائد الدينية ، إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء ، وبه يكتسب صفة السخاء ، ويلتحق بزمرة الأسخياء ، فلا يوصف بالجود