عبد الكريم الخطيب

448

التفسير القرآنى للقرآن

إليه الصراع بين الحق والباطل ، ففي هذه المبادرة إعداد للنفس ، وإثارة لأشواقها ، وإخلاء لها من الشواغل ، حتى تلتقى بتلك الخاتمة وهي على حال تامة من الوعي واليقظة ، فلا تفوتها من مواقع العبرة والعظة فائتة . ومن جهة أخرى ، فإن في المبادرة بهذا الحكم ، على هؤلاء القوم بأنهم مفسدون - إشعارا بأن القضية هنا قضية صراع بين حق وباطل ، وبين دعاة إصلاح وأهل فساد ، وفي هذا ما يقيم شعور المستمع لهذه القضية على هذا الموقف منها ، وهو موقف بين المحقين والمبطلين . « وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ » . فهذا هو مبدأ القصة . . يلتقى موسى بفرعون لقاء مباشرا . . . ثم يبدؤه بهذا الخبر : « يا فِرْعَوْنُ . . . إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . ويفعل هذا الخبر فعله في نفس فرعون ، ومن حوله . . ثم لا يكاد فرعون يفيق من صدمة هذا الخبر غير المتوقع ، حتى يسد عليه موسى منافذ القول بالتكذيب أو الاتهام ، فيتبع الخبر بخبر آخر ، يؤكده ويوثقه : « حقيق على ألا أقول على اللّه إلا الحق » فإن من كان رسولا لربّ العالمين ، لا ينبغي له أن يقول غير الحق ، إذ الرسول وجه كاشف عن وجه من أرسله . . واللّه سبحانه وتعالى منزه عن كل نقص ، فكذلك ينبغي أن يكون الرسول الذي يرسله ، على حظ موفور من الكمال البشرى ، فلا يكذب ، ولا يخون . . فهو أحق الناس وأجدرهم ألا يقول غير الحق . . وتثور في نفس فرعون تساؤلات ، لا يكاد يمسك بواحدة منها حتى يلقاه