عبد الكريم الخطيب
441
التفسير القرآنى للقرآن
النهار - عند الضحى - وقد اكتملت أسباب الحياة ، واليقظة للناس ، وللحياة من حولهم ، وعندئذ يشهدون الهلاك عيانا ، وهم في أحسن أحوالهم من الاتصال بالحياة ، والأخذ بكل قواهم ، مما يطلبون ويشتهون منها . . وكلا الضربتين من ضربات النقمة والبلاء ، تجىء في وقت يجعل أثرها مضاعفا ، ووقعها مزعجا ، بالغ الغاية في الإزعاج . إن النائم الذي استغرق في النعاس ، لتزعجه الهمسة تطوف به ، حتى ليخيل إليه منها أنها صوت رعد قاصف ، أو هدير إعصار ثائر . . فكيف إذا كان ذلك بلاء نازلا من السماء يرمى بحجارة من سجيل ، أو عذابا فائرا من الأرض يرمى باللهب ، ويقذف بالحمم . وإن الإنسان الذي لبس ثوب النهار ، واستروح أنسام الصباح ، واستحضر كل وجوده ليتصل بالحياة ، وليقيم وجهه على ما يشتهى منها ، ويمسك بكلتا يديه على ما يقدر عليه من لهوها وجدّها - إن مثل هذا الإنسان ليكرب أشدّ الكرب أن يعرض له في تلك الحال ما يقطع عليه حبل اتصاله بالحياة ، أو يلفته عن طريقه الذي أخذه معها - فكيف إذا كان ذلك بلاء مدمرا يهلك الحرث والنسل ، ويطوى السهل والوعر ، ويأتي على كل ما جمع الجامعون ، وملك المالكون ؟ واستمع مرة أخرى إلى قوله تعالى : « أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » . وانظر إلى أهل القرى ، وهم نائمون . . ثم انظر إليهم وقد جاءتهم الضربة القاضية ، فإذا هم بين يديها قيام ينظرون ، وكأنهم أصحاب القبور ، يوم ينفخ في الصور فيقولون : يا ويلنا . . من بعثنا من مرقدنا ؟