عبد الكريم الخطيب
4
التفسير القرآنى للقرآن
وهذا وضع مقلوب بالنسبة لليهود ، إذ كانوا - وهم أهل كتاب - أولى الناس بأن يناصروا أهل الكتاب ويوادّوهم ، لا أن يكونوا في الجبهة الأولى من الجبهات المعادية للمؤمنين ، إذ يتقدمون في هذا الموقف اللئيم أهل الكفر والشرك ، فيكونون قادة الحملة الموجهة لحرب اللّه والمؤمنين باللّه ! وفي قوله تعالى « لَتَجِدَنَّ » إشارة إلى أن هذا الحكم الذي فضح اللّه به اليهود ، ليس حكما معلّقا على أي شرط ، بحيث يقع إذا وقع هذا الشرط ، أو هو حكم خفىّ لا تظهر آثاره للعيان . . وإنما هو حكم مطلق ، واقع دائما ، ظاهر لا خفاء فيه ، ولهذا جاء التعبير عنه بلفظ « تجد » بمعنى ترى ، وتبصر ، وتتحقق ، ثم جاء هذا اللفظ مؤكدا بالقسم ، وبنون التوكيد « لتجدنّ » . . فهو أمر واقع ، مؤكد الوقوع ، لا احتمال فيه لشك أو ريب . هذه هي وجهة اليهود في الحياة ، وهذا هو حكم اللّه عليهم . . فما ذا يرى الراءون منهم ؟ وما مدى انطباق هذا الحكم عليهم ؟ إن مسيرتهم في الحياة تشهد شهادة ناطقة بأنهم حرب على الأديان وعلى المؤمنين . . بل هم حرب على الإنسانية كلّها ، قبل أن يكونوا حربا على الأديان التي يدين بها الناس . ولكن لمّا كان الدّين هو ملاك أمر المجتمعات الإنسانية ، ومنطلق حياتها الرّوحية والاجتماعية - كان الميدان الذي يعمل فيه اليهود ، لإفساد المجتمعات ، وإصابتها في مقاتلها ، هو ميدان الدين ، فإذا تحلّل الناس من الدّين ، وتقطعت بينهم وبينه الأسباب ، تحوّلوا إلى حيوانات ضارية ، يقتل بعضها بعضها ، بلا حساب من عقل أو ضمير . . وهذا ما يفعله اليهود في كل مجتمع يعيشون فيه . . لقد دخلت الدعوة المسيحية أو ربّا ، فأحيت كثيرا من معالم الإنسانية التي