عبد الكريم الخطيب

26

التفسير القرآنى للقرآن

والتحريم والتحليل ، من ذوات أنفسهم ، ثم بأسخف قول وأبعده عن المعقول » « 1 » . وقد تتبع ابن حزم جميع الأدلة والأسانيد التي استند إليها أبو حنيفة وصاحباه في رأيهم في النبيذ ، وفندها ، فرد ضعيف أخبارها ، أو تأولها على وجهها الذي يدعم وجهة نظره ، في دفع هذه المقولات ، ودحضها . وفي هذا الجدل بين أصحاب تلك الآراء المختلفة ، متعة ذهنية ، ورياضة عقلية ، لا شك فيها ، ولكنها متعة تذهل الإنسان كثيرا عن الحقيقة التي بين يديه ، وتفتح لذوي القلوب المريضة طريقا إلى الجمع بين المتناقضات من الآراء ، فيأخذ من كل رأى ما يرضيه ويوافق هواه ، فإذا دينه رقع مختلفة الألوان . . رقعة من هنا ، ورقعة من هناك ، وكلها - حسب رأيه - من الدّين ومن مقولات الأئمة الأعلام في الشريعة ! ! وفي هذه القضية بالذات ، أخذ قوم بهذا المذهب الذي يجمع بين متناقضات الآراء ، ويتتبع ما يرضى هواه منها ، دون نظر إلى حلال أو حرام . . وفي هذا يقول الشاعر متهكما بهذا التضارب في شأن الخمر ، التي ليس فيها إلا قولا واحدا ، هو أنها الخمر ، وأنها الحرام ، قليلها وكثيرها سواء . . يقول الشاعر متهكما . أحلّ العراقىّ النبيذ وشربه * وقال الحرامان : المدامة والسّكر « 2 » وقال الشآمى النبيذ محرّم * فحلت لنا من بين قوليهما الخمر ويعنى الشاعر بهذا أن أبا حنيفة ومن تابعه ( وهو عراقىّ ) قد قال في

--> ( 1 ) المحلى : لابن حزم - الجزء السابع . ص 562 وما بعدها . ( 2 ) المدامة هي الخمر ، أي ما خمر من العنب وحده . على ما ذهب إليه بعض أصحاب أبي حنيفة ، والسكر : نقيع التمر .