عبد الكريم الخطيب

19

التفسير القرآنى للقرآن

هذه المنكرات إلى الشيطان يجعلها منكرا إلى منكر . . فالرجس في ذاته ، على أي وجه ظهر ، ومن أي أفق طلع ، هو شر وبلاء على من يقبل عليه ويتعامل معه ، فإذا كان هذا الرجس هو من عمل الشيطان ، ومن صنعة يده ، ومن الطعام الممدود على مائدته ، لم يكن فيه مظنّة لخير أبدا . . إذ يكفى الخير شناعة وسوءا أن يجئ من قبل الشيطان ، وعلى يده . . فكيف إذا كان ما يحمله الشيطان ويدعو إليه هو « الرجس » ؟ أرأيت إلى طعام طيب هنيء تحمله إلى آكليه يد إنسان رعى الجذام وجهه وقضم يديه ؟ . . أفتجد نفس لهذا الطعام مساغا ، أو يمدّ إليه إنسان يدا ولو هلك جوعا ؟ فكيف إذا كان ما يحمله هذا الإنسان المجذوم طعاما فاسدا متعفنا تعافه الكلاب ؟ ذلك أقرب شئ شبها إلى الرجس الذي يكون من عمل الشيطان وصنعته . فالرجس - وتلك صفته من السوء - في غير حاجة إلى أمر بحظر يضرب عليه ، ويحال بين الناس وبينه . والرجس الذي هو من عمل الشيطان ، أمره أظهر وأبين من أن ينبّه على اجتنابه ، إشارة أو عبارة . . ومع هذا فإن بعض الناس تضيع إنسانيتهم ، وتنطمس معالم فطرتهم ، وتفسد طبيعتهم ، فلا تزكم أنوفهم رائحة كريهة ، ولا تلفظ أفواههم طعاما خبيثا . ولهذا كان من فضل اللّه على الناس ورحمته بهم ، أن بعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين ، ليصلحوا ما فسد منهم ، ويصححوا عمل أجهزتهم التي عطبت أو فسدت . ومن أجل هذا جاء قوله تعالى هنا « فَاجْتَنِبُوهُ » تعقيبا على ما كشف من أمر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، ووصفها بأنها رجس ، وأنها من