عبد الكريم الخطيب

13

التفسير القرآنى للقرآن

فما أكثر ما يجرى ذكر اللّه على ألسنة المؤمنين ، وما أكثر ما يستحضرونه في كل أمر يعرض لهم ، ثم ما أكثر ما يزكّون هذه الأمور بالقسم عليها باسم اللّه ، دون أن يكون ذلك بقصد الحلف لإجازتها ، وعقد اليمين بها . . فهناك فرق بين القسم ، والحلف . . إذ القسم لتعظيم الشيء وتزكيته ، ورفع قدره ، وقد أقسم اللّه سبحانه ببعض مخلوقاته . . من شمس ، وقمر ، ونجم ، وليل ، وضحى . أما الحلف فهو إقرار يشهد به الإنسان على نفسه ، أو غيره . وقد جعل اللّه كفيلا عليه ، بالحلف به . . ومن هنا كان لزاما عليه - ديانة - أن يحترم هذه الكفالة ، ويقوم على الوفاء بما التزم به ، وإلا أثم ، بجرأته على اللّه ، والاستخفاف بكفالته له ، واللّه تعالى يقول : « وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ » ( 91 : النحل ) . وكان من رحمة اللّه بعباده ، ورفقه بهم ، وإسباغ نعمه عليهم ، في تعاملهم مع اسمه الكريم - ما حملته هذه الآية الكريمة من لطف ، ورحمة ، وحكمة : فأولا : قد عفا اللّه سبحانه عن الأيمان التي لا يقصد بها الحلف ، والتي تجرى على الألسنة خارجة عن هذا القصد . . « لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ » وتسمية هذه الأيمان لغوا ، لأنّها لا تحلّ حراما ، ولا تحرّم حلالا ، ولا تجلب خيرا ، ولا تدفع ضرّا . . والأيمان جمع يمين ، وقد سمّى اليمين يمينا ، لأنه مشتق من اليمن والبركة ، إذ كان الذي يقسم به - عادة - اسم كريم عزيز ، عند من أقسم به ،