عبد الكريم الخطيب
319
التفسير القرآنى للقرآن
في حياة الإنسان كلها ، لا يتلبّس بأمر إلا بعد أن ينظر فيه ، ويطمئن إليه ، ويرضى عنه ، فيقدم أو يحجم عن هدى وبصيرة ، وهذا هو ملاك النجاح في كل أمر ، ومنطلق الملكات الإنسانية كلّها في وثاب وقوة ، إلى أنيل ؟ ؟ ؟ الغايات وأعظمها . إن تحرير ضمير الفرد من الضلال والعمى ، وفك عقله من الضّيق والإظلام ، لا يكون إلا بتحرير إرادة الإنسان وإطلاقها من كل قهر أو قسر . . وإنه لن تصحّ إنسانية الإنسان ، ولن يكتمل وجوده ، إلا بالضمير الحر ، والعقل المتحرر . . وإنه لا فرق بين الأحرار والعبيد وبين الإنسان وغير الإنسان إلا في تلك المشاعر التي يجدها الإنسان في كيانه من طاقات الحرية والتحرر ، فيمتلك بها أمر نفسه ، ويكتب بها خطّ مسيره ومصيره ، كيف شاء ، وعلى أي وجه أراد . . وفي الواقع أن ركوب الخطأ عن رأى الإنسان وتقديره ، غير المدخول عليه بإكراه أو خداع ، أو تضليل - هو خير من الانقياد للصواب عن قهر وقسر ، وعن تمويه وتلبيس . . إذ الأول يسير ومعه عقله ، وتفكيره ، وليس ببعيد أن يلتقى يوما بالصواب الذي ضل عنه . . أما الآخر ، فإنه يسير بلا عقل ولا تفكير . . يسير بعقل غيره ، وبتفكير غيره ، وليس ببعيد أن يلتفت يوما فلا يجد من أعاره عقله وتفكيره ، فإذا هو كتلة جامدة ، أو تمثال من لحم ودم ، لا حياة فيه ، ولا معقول له ! . . إن الأول مبصر يتخبط في الظلام ، ولكنه إذا رأى النور ، أبصر ، واهتدى واستقام على سواء السبيل . . أما الآخر . . فهو أعمى يقاد لكل يد تمتد إليه . . وكما انقاد ليد من ينصح له ويهديه ، فإنه لن يمتنع عن الانقياد لمن يمكر به ، ويضلّه . . وهل يملك الأعمى أن يأخذ طريقا غير طريق من يقوده ، ويمسك بيده ؟