عبد الكريم الخطيب
320
التفسير القرآنى للقرآن
وقوله تعالى : « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » هو ليس قيدا واردا على إطلاق الحرية في الدّين ، وإنما هو تقرير لبيان الحال من أمر الدعوة الإسلامية ، وهو أنه يجب ألا يطوف حول دعوتها طائف من القهر والقسر ، إذ قد استبانت معالمها ، ووضحت حدودها ، وإن الذي ينظر في مقرراتها ، وفي شواهدها وآياتها ثم لا يجد الهدى ، ولا يقبل عليه ، فلا سبيل إلى هداه ، ولا جدوى من إيمانه ! إنه في حساب الناس . . لا شئ ! . قوله تعالى : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » . « الطاغوت » شئ مخيف ، مفزع ، أشبه بالشيطان . . لا تقع عليه العين ، وإنما يصوره الوهم من هذا الاسم الذي يطلق عليه « الطاغوت » ، ويشكّله من هذه الأحرف المتنافرة التي يتشكل منها اسمه : . . الطاء ، والغين ، والتاء ، يجمعها كيان واحد . وإن الذي يحترم عقله ، ويكرم إنسانيته ليأبى أن ينقاد للوهم ، ويتعبّد لآلهة من مواليد الباطل والضلال ، إنه يجرى وراء سراب ، ويتعلق بما هو أوهى من خيوط العناكب ! . والموقف الصحيح الذي ينبغي أن يأخذه الإنسان العاقل الرشيد ، هو أن يعلو بعقله فوق هذه الأوهام ، ويرتفع بإنسانيته عن هذا الهوان ، وأن يجعل ولاءه وخضوعه لمن بيده ملكوت السماوات والأرض ، رب كل شئ ، وخالق كل شئ . . وبهذا يمسك الإنسان بالسبب الأقوى ، ويعلق بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وبهذا تكتب له النجاة والسلامة .