عبد الكريم الخطيب

327

التفسير القرآنى للقرآن

إنها رحلة طويلة في عالم ما بعد الحياة ، استغرقت مائة عام قطعها الرجل وأشياؤه مع القرية في مسيرتها . . وصحا الرجل بعدها ، فوجد من يسأله من قبل اللّه ، على لسان هاتف يهتف به : « كم لبثت » في نومتك تلك ؟ وما حسب أنه طوى هذا الزمن الطويل في هذا النوم الثقيل ، فقال : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ! » ذلك ما وقع في تقديره ، قبل أن يفتح عينيه على الحياة من حوله ، ويرى سير الزمن بها ، وأثره فيها . . فلما قيل له : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » فزع ، وكرب ، وجهد أن يستحضر وجوده كله ، ويقظته كلها ، ليعلم أهو في يقظة أم منام . . وصحا الرجل صحوة مشرقة ، فرأى الأمر على ما أخبر به . . لقد تغيرت وجوه الأرض من حوله ، فأنكرها وأنكرته ، بل لقد أنكر نفسه بما طرأ عليه خلال نومه الطويل ، من تغيّر في هيئته . . ووقع في يقينه أنه نام نومة استغرقت مائة عام ، وهتف به هاتف الحق : أن انظر إلى طعامك وشرابك . . إنه على ما هو عليه لم يدخل عليه فساد ، بل ما زال طيبا هنيئا « لم يتسنّه » أي لم تغيّره السنون - وأصله لم يتسنّ ، والهاء للسكت ! ! « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » إنه ما زال قائما إلى جوارك على عهدك به ! ! ففيك وفي أشيائك التي بين يديك آية لك وللناس ، يرون فيها قدرة اللّه التي لا يعجزها شئ ، ويستيقنون منها إمكانية البعث الذي يرتاب فيه المرتابون . وحين استبان للرجل كل شئ حوله ، وأشرق قلبه بنور الحق ، واستنارت بصيرته بهدى اللّه ، دعى إلى أن ينظر نظرا أعمق وأشمل ، إذ قيل له : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » ونشز العظام هو بروزها من بين أخلاط الجنين . . وفي النظر تتكشف عملية الخلق ، وبعث الإنسان من عدم ، كما يقول اللّه تعالى : « أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً » ( 67 : مريم ) . فالذي أوجد الحياة من موات ، قادر على أن يرد هذه الحياة إلى موات ، كما أنه قادر على أن يعيد الحياة إلى هذا