عبد الكريم الخطيب
326
التفسير القرآنى للقرآن
منها ما كانت عليه في سالف الزمن ، وما كانت تزخر به من عمران ، وما كان يموج فيه أهلها من ألوان الحياة ، ومذاهب العمل . . لقد صار كل ذلك ترابا في تراب ! واهتاجت مشاعر الرجل ، وتمثل له من هذا الهمود الموحش صور من الماضي البعيد ، وإذا القرية وأهلها حاضرة في خياله ، تنبض بالحياة ، وتفور بالنشاط ، كإحدى القرى الحية الماثلة لعينيه هنا أو هناك . . وفتح الرجل عينيه فطار حلم اليقظة الذي ارتسم في خياله . . وتساءل : أهذا الحلم يمكن أن يصبح حقيقة ؟ وهل تعود هذه الأجساد التي بلاها البلى وأكلها التراب ؟ هل تعود مرة أخرى إلى الحياة ؟ أذلك ممكن ؟ ويهتف به هاتف الإيمان : أهذا امتحان لقدرة اللّه ؟ أأنت في شك من تلك القدرة القادرة على كل شئ ؟ ويجيب على نفسه : معاذ اللّه أن أمتحن أو أشك . . ولكن ! ! وتموت الكلمات بعد ذلك في صدره ، ويمضى في طريقه في صمت ووجوم ! ! وهنا تجىء نجدة السماء في أطواء قوله تعالى : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » . . وكانت تجربة حية وجدها الرجل في نفسه ، وفي الأشياء التي بين يديه . . الرجل ، وحماره ، وطعامه ، وشرابه . . وذلك يمثل الإنسان ، والحيوان ، والطعام ، والماء . . إنها صورة مصغرة للقرية بكل مشخصاتها ، مما يدخل عليه الفساد والانحلال مع الزمن . . الرجل وأشياؤه التي يضمها إليه . . في رحلة إلى غاية يقصدها ، ومنزلة يحط عندها رحاله . . والقرية وأشياؤها التي تضمها إليها . . في رحلة إلى غاية هي سائرة إليها ، ومنزلة هي منتهية عندها . . يوم يقوم الناس لربّ العالمين ! وما يكاد الرجل يعطى القرية ظهره ، حتى تتردد في أذنيه من جنباتها أصداء تلك الكلمات التي همس بها إلى نفسه : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » ؟ فلا يلبث أن يخرّ صعقا ! . . « فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ »