عبد الكريم الخطيب
64
التفسير القرآنى للقرآن
« وليس يعنى الهبوط « 1 » ، أىّ فساد أخلاقي ، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس ، هو نوع من اليقظة في حلم الطبيعة ، أحدثتها خفقة من الشعور بأن للإنسان صلة علّيّة شخصية بوجوده » « 2 » . وهذا الفهم الذي فهمه « إقبال » لآيات القرآن الكريم في خلق آدم ، هو - كما ترى - أقرب فهم إلى منطوق كلمات القرآن ، ودلالتها اللغوية ، كما أن هذا الفهم الذي يقف بآيات القرآن عند هذه الحدود ، يحمى ينابيع القرآن الصافية ، من هذا الغثاء الذي يلقى به في ساحتها ، من تلقيات الأوهام والخرافات التي تتناقلها أجيال الناس ، وتلونها بألوان وأصباغ ، تكاد تغطي سماء آيات الكتاب الكريم ، وتحجب أضواءها . ثم إنه بمثل هذا الفهم الملتزم لحدود المعنى اللغوي لآيات الكتاب الكريم ؛ يظل الطريق مفتوحا بين آيات الكتاب وأنظار الناظرين فيها ، كلما جدّ للناس فهم في الحياة ، وكلما انكشف لهم سر من أسرارها . . حيث يمكن عرض كل جديد ، على القرآن ، في حدود منطوق كلماته ومفهومها ، فيقبل من هذا الجديد ما يقبل ، ويرفض ما يرفض ، دون أن يكون عليه من ذلك شئ . . بل يظل في عليائه ، مشرفا مشرقا ، تأخذ العيون من ضوئه ، على قدر استعدادها وقوتها . فمثلا نظرية « دارون » في أصل الأنواع ، وفي النشوء والارتقاء . هذه النظرية ، كانت ولا تزال عند كثير ممن أخذوا فهم الآيات القرآنية في خلق آدم ، عن هذه النقول الخرافية ، وهذه المقولات الأسطورية التي جمعها
--> ( 1 ) يعنى الهبوط المشار إليه في قوله تعالى « اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً » . ( 2 ) تجديد التفكير الديني في الإسلام لإقبال ، ص 99 .