عبد الكريم الخطيب

65

التفسير القرآنى للقرآن

المفسرون والقصّاص ، من كل ساقطة ولاقطة - كانت ولا تزال هذه النظرية عند كثير من هؤلاء ، من الكفريات ، والإلحاديات ، التي إن جرت على لسان ، كان مجرد جريانها عليه كفرا وإلحادا ! ! ولهم عذرهم في هذا ! ! فالذين قرءوا في كتب التفاسير والقصص ، أن آدم خلق في الملأ الأعلى ، وأن طينته غرست في جنة عدن ، أو جنة الخلد ، أو غيرهما من الجنان - على اختلاف روايات المفسرين في هذا - هؤلاء الذين قرءوا هذه المقولات في نشأة آدم ، يرون أن كل قول يخالف هذا ، هو خروج على الدّين ، بل خروج من الدين ! في حين أن هذا الأمر كلّه ليس فيه شئ من الدين ، ولهذا أباح المفسرون أن يترخصوا في الحديث عنه ، وألا يلتزموا فيه حدّا ، فكان لكل منهم مقولاته ، التي قرأها أو سمعها ، أو توهمها ، لأن هذا الأمر ليس من باب التشريع والأحكام ، فتتحرّى له الصحة والضبط . على أن مقولات « دارون » التي أنكرها علماء الدين ، وهاجوا وماجوا من أجلها ، إنما تقوم على علم وتجربة ، وقد يكون فيها قليل أو كثير من الخطأ في الاستنتاج ، ولكن الذي ينبغي أن يكون عليه موقف العقل إزاءها ، هو الاحترام لها ، والتقدير للجهد الذي بذل فيها ، وما دامت ترجع إلى التجربة ، وتحتكم إلى العقل ، فإن كل عقل مدعوّ إلى الوقوف عندها ، والنظر فيها ، وأخذ ما يطمئن إليه منها . . أما صدّ العقل عنها ، وفراره من بين يديها ، فذلك إزراء بالعقل ، وامتهان له ، وتعطيل للوظيفة التي خلق لها ، وخروج على دعوة القرآن التي دعاه إليها . ثم إن « داروين » الذي أثار هذا الإعصار العاصف ، في عقول رجال الدين - من كل دين - لم يكن منكرا للّه ، ولا كافرا به ، بل إنه - فيما يروى عنه - كان من أشد الناس إيمانا باللّه ، وشهودا له في آياته ، التي رآها رأى