عبد الكريم الخطيب
63
التفسير القرآنى للقرآن
وأكثر من هذا ، يحدّث القرآن في صراحة ، أن الإنسان - أي أصله - نبتة من نبات الأرض : « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً » ( 17 : نوح ) ولو كان الإنسان من طينة غير طينة هذه الأرض ، لما كان له سبيل إلى الحياة على هذه الأرض والقرار فيها ، والانتفاع بموجوداتها ، من جماد ، ونبات ، وحيوان ! وليس ذلك بالذي يزرى بالإنسان ، أو يحط من قدره ، فمن هذا الطين تتخلق أكرم الجواهر ، وأنفس المعادن . . من لؤلؤ ومرجان ، وذهب ، وفضة ، وغيرها . . والإنسان هو الذي يضع نفسه حيث يشاء . . إن شاء كان جوهرا كريما ، وإن أراد كان طينا لازبا أو حمأ مسنونا أو حجرا صلدا ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . » وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ يقول : « الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية ، خيارهم في الإسلام » . . ففي هذه الكلمة النبوية الجامعة ، ما يشير إلى مدلول الآيات القرآنية ، التي تتحدث عن خلق آدم ، والمادة التي خلق منها ، على الوجه الذي فهمناها عليه ! يقول الفيلسوف المسلم محمد إقبال في معرض حديثه عن قصة آدم ، كما جاءت في القرآن الكريم ، وفي التوراة . . يقول : « وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لا صلة بها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب ، وإنما أريد بها - بالأخرى - بيان ارتقاء الإنسان ، من بدائية الشهوة الغريزية ، إلى الشعور بأن له نفسا حرة قادرة على الشك والعصيان » .