عبد الكريم الخطيب
34
التفسير القرآنى للقرآن
التفسير : في إسناد مقول القول « آمنوا » إلى المبنى للمجهول ، ما يشعر بأن ضلالهم - قد أصبح من الانكشاف والوضوح بحيث أنطق كل موجود في محيطهم ، بدعوتهم إلى الاستقامة ، والانتظام في موكب « الناس » ، الذين صانوا إنسانيتهم عن هذا الانحراف السفيه ، الذي يعيش فيه المنافقون . ولهذا جاء قول اللّه تعالى : « كَما آمَنَ النَّاسُ » ولم يجئ : « كما آمن المؤمنون » وفيه ما يدل على أن الإيمان أقرب شئ إلى الفطرة التي فطر الناس عليها ، وأن من شأن الناس أن يستجيبوا لدعوة الإيمان ، وأن من استجاب للرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - هم الناس ، ولا اعتبار لغيرهم . وجاءت فاصلة الآية هنا : « لا يعلمون » على حين أنها جاءت في الآية السابقة عليها : « لا يشعرون » وذلك لاختلاف المقام هنا وهناك . « هُمُ الْمُفْسِدُونَ . . وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » « هُمُ السُّفَهاءُ . . وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » الإفساد في الأرض - مع أنه مما يجابه الحواس ، ويقع في محيط إحساسها - لا يشعر به أولئك المنافقون ، لكثرة ما ألحقوا على هذه الحواس من خداع وتضليل ، ولكثرة ما تعالوا معها بالتعمية والتمويه : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » . والسّفه - مع أنه انحراف حاد عن طريق الحق والخير - لا يقع في علم هؤلاء السفهاء ، ولا يرون فيه ما يرى الراشدون من الناس من حماقة ومنقصة ! : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » .