عبد الكريم الخطيب

296

التفسير القرآنى للقرآن

وقد رأينا كذلك مفهوم قوله تعالى « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » وأشرنا إلى ما تشير إليه لفظة « مرتان » من أن الطلاق ليس مجرد تلفظ بكلمة الطلاق ، بل هو عمليّة قاسية ، وأنه ليس عملية واحدة ، بل هو عمليتان موجعتان . . قلنا هذا أو نحوه وهو شئ قليل مما يمكن أن يقال ! ولكن انظر كيف وقع مفهوم هذه الآية الكريمة في العصر الذي أشرنا إليه ، عصر تدوين التفسير ، والفقه ، وما كان لأحداث العصر من أثر في إعطاء الآية الكريمة هذا المفهوم ! كان الخلفاء يأخذون البيعة من الناس لأولياء العهد من بعدهم ، لمن يختارونه من أبنائهم ، وإنهم لكي يسدّوا على المبايعين منافذ التحلل من تلك البيعة ، كانوا يوثقونهم بأيمان مغلظة لا يستطيعون الفكاك منها . . ومن هذه الأيمان يمين الطلاق ! فكان فيما يحلف به المبايع أنه إن تحلل من هذه البيعة التي بايعها فكل نسائه طالق ثلاثا ! على اعتبار أن التلفظ بأعداد الطلاق الثلاث مرة واحدة هو الطلاق الباتّ الذي لا رجوع فيه . . وبهذا تصبح المرأة طالقا بمجرد الحنث في هذا اليمين . . وعلى هذا أصبح الحكم الشرعىّ للطلاق عموما هو أن يحسب الطلاق بالعدد الملفوظ به ، طلقة واحدة ، أو اثنتين ، أو ثلاثة ، وبهذا يمكن أن يقع الطلاق البات ، وتنفصم عرا الحياة الزوجية في لحظة واحدة بكلمة واحدة ! وأغرب ما في هذا المفهوم الخاطئ للطلاق ، أنه يحتسب « الطلاق » يمينا يحلف به ، مع أنه إجراء أو عملية ، يتم بها الانفصال بين الزوجين ، كما تم الاتصال بينهما بعملية مماثلة في الزواج ، وإن كانت عملية الاتصال بين طرفين ، وعملية الانفصال من طرف واحد . . فذلك لا يعدو أن يكون فسخا من جانب واحد لعقدتم بين طرفين . وهذا أمر جائز في بعض العقود ، كعقد الهبة ، وعقد الوصية .