عبد الكريم الخطيب

280

التفسير القرآنى للقرآن

من أجل هذا كان حكم العدة هنا موجها إلى المرأة في مواجهة الزوج ، وكأنه حاضر يشهد مدى رعايتها للعلاقة التي كانت بينه وبينها . ولهذا ينبغي للمرأة خلال هذه العدة ألّا تتزين زينتها للزوج ، وألا يبدو منها ما ينم عن نسيانها لهذه الذكرى ، فذلك أقل ما يجب أن يكون منها ! وللزوجة على الزوج مثل هذا الحق ، وإن لم توجبه الشريعة حكما ، فقد أشارت إليه من طرف خفى ، في هذا الحكم الذي فرضته على الزوجة في مواجهة زوجها ، إذ حين يرى الزوج أن زوجه سوف تلتزم بنوع من الأسى عليه والحزن لفراقه ، يجد في نفسه مثل هذا الشعور نحوها حين تسبقه هي إلى الدار الآخرة . والأمر في ذاته ليس في حاجة إلى تشريع ، ولكن لما كان بعض المتوفّى عنهن أزواجهن يذهب بهن النزق والطيش إلى قطع علائق الزوجية وآثارها من أول يوم يغيب فيه الزوج عن شخصها ، وفي ذلك ما فيه من اعتداء على حرمة تلك الرابطة المقدسة ، واستخفاف بشأنها ، الأمر الذي إن ترك هكذا سرت عدواه في المجتمع ، وصار تقليدا سيئا ، يدخل الضيم على العلاقات الزوجية ، ويذهب بجلالها ! فكان لا بد من وضع حد لهذا الاستهتار ، حماية الحياة الزوجية منه ، حتى بعد انقطاعها . وقوله تعالى : « فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » بيان للجانب الآخر من جانبي المرأة وموقفها من الرجل بعد موته - فإنه كما تكون هناك بعض الزوجات غير آبهات إلى فقد الزوج ، ضائقات بهذه العدّة التي فرضتها الشريعة عليهن ، فإن بعضهن الأخريات قد يذهب بهن الأسى والوحشة ، إلى زمن أبعد من هذا الزمن ، الذي حددته العدة لهن ، فتظل