عبد الكريم الخطيب

245

التفسير القرآنى للقرآن

قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » . هذه إشارة حادّة من إشارات السماء ، إلى أمرين من أمور الجاهلية ، كانت حياتهم متلبسة بهما ، دائرة في فلكهما ، وهما الخمر والميسر ، وقد كان هذان المنكران متلازمين ، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر . . فحيث كان خمر كان معه ميسر ، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رؤوس النّدمان . . ولهذا قرنهما اللّه سبحانه في هذا المقام . . الخمر والميسر ، ودمغهما بالإثم . والحكم - كما ترى - أنهما يحملان في كيانهما قدرا كبيرا من الإثم ، إلى جانب ما يحملان من نفع . . وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع . ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء في مقابله لفظ النفع ، والنفع لا يقابل الإثم ، وإنما يقابل الضرّ . . وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية ، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة ، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره ، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه في الآخرة ، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة في الدنيا . . ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما ، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه في حياته الدنيا . . في جسده وماله ، جدير به أن يخيفه ويزعجه ، ويقيمه منهما على حذر وتخوف ، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه في دينه وفي دنياه جميعا ؟ . هذا ، وليس جمع « المنافع » بالذي يرجّح كفة الشر على الخير ، في جانب الخمر والميسر ، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع في ذاته وقدره ، وإنما هو لتعدد وجوه الناس في التماس الكسب منهما . . فمن صانع للخمر ، إلى جالب لها ، إلى بائع ، إلى ساق ، إلى مغنّ في حانها . . إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر