عبد الكريم الخطيب

222

التفسير القرآنى للقرآن

وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ » بيان للآداب التي يجب على الحاج أن يلتزمها في هذه الأشهر ، فيصون نفسه فيها عن كل لغو ، ويجنبها كلّ معصية ، وينأى بها عن الجدال المفضى إلى الخصام والخلاف . فالحج مدخل إلى طاعة اللّه ، وسعى إلى التقرب منه ، والتعرض لمغفرته ورضوانه . . ومن أجل هذا خرج الحاج من أهله ، وأعماله ، واتجه إلى ربّه ، وبيت ربّه ، ومن أجل ذلك أيضا نزع كلّ ما على جسده من ملابس عاش فيها قبل هذه الرحلة إلى اللّه ، وأصابها ما أصابها مما اقترف من سيئات ، واستبدل بها ملابس الإحرام ، التي ينبغي أن يصونها ويصون نفسه فيها عن كل حرام ، فلا يتندس بملابسة رفث أو فسوق أو جدال ، وبهذا يكون أهلا لأن يدنو من اللّه ، وينال من رحمته ما يناله المتقون . وقوله تعالى : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » دعوة إلى أن يحمل الحاج معه من المال أو الطعام ما يكفيه ، حتى لا يكون عالة على غيره في هذا البلد غير ذي الزرع ، ثم لكي لا يكون التزود بالمال والطعام هو كل همّ الحاج ، فقد نبه اللّه سبحانه إلى أن هذا الزاد وإن كان مطلوبا لسدّ الحاجة ، فإن هناك زادا خيرا من هذا الزاد يجب على الحاج أن يحرص عليه ، وأن يسعى ما استطاع إلى تحصيله ، وهو التقوى ، فهي الزاد الطيب الباقي ، الذي يعين على الوصول إلى اللّه ، والتعرض لهو أطل رحمته ، وغيوث رضوانه . وقوله تعالى : « وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ » تنويه بشأن العقل ، وتكريم للعقلاء الذين يحترمون عقولهم ، ويستجيبون لما تدعوهم إليه ، من إيثار ما يبقى على ما يفنى ، وشراء الآجل بالعاجل . فالعقلاء الراشدون هم أولى الناس بأن يرجى عندهم الخير ، ويؤمل فيهم الاستقامة والهدى . . وفي هذا يقول اللّه تعالى : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » : ( 28 : فاطر ) .