عبد الكريم الخطيب

210

التفسير القرآنى للقرآن

كل عدد معلوم من الأيام ؟ ثم لم تلبس كل يوم صورة جديدة ؟ وتولد كل يوم ميلادا جديدا ؟ . ولو شاء القرآن أن يجيب على تلك الأسئلة الجواب المناسب لها ، لأعطى الكلمة الحاسمة الفاصلة ، ولكن هذا يفتح المجال للمناظرة والأخذ والرد ، والقبول والرفض . . ثم أنّى للعقول - في كل عصر وفي كل مجتمع - أن تستوعب الحقيقة العلمية ، وتقنع بها ؟ إن غير هذا أولى بالقرآن ، وأنفع للناس في مجال دعوته إلى الحق والخير ! . « قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » ذلك هو الجواب الذي كان ينبغي أن يكون سؤال السائلين متجها إليه ، باحثا عنه . . : « هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » فهذا هو بعض معطيات الأهلة للناس ، يضبط بها رؤوس الشهور ، ويوقف منها على أشهر الحج التي يقول اللّه عنها : « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ » . وفي قوله تعالى : « وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها » تعقيب يستخلص الحكمة والعبرة من ثنايا الحدث والواقعة ، وذلك من تمام الهدى الذي جاء القرآن الكريم به ، وقامت الرسالة الإسلامية عليه . فليس من التزكية للنفس ، والهداية للعقل ، والاطمئنان للقلب ، أن يلقى الإنسان الأمور من ظهورها ، وأن ينظر إليها من ورائها ، فذلك لا يطلعه منها إلا على ظلال وأشباح ، أما إذا أراد أن يتعرف إليها ، ويعرف وجه الحق منها ، فليلقها مواجهة ، ولينظر إليها نظرا قاصدا ، فذلك هو الذي يدنيه من الحق ، إن كان طالبا له ، عن نية خالصة وقلب سليم . . وليس كذلك شأن المنافقين الذين لا يأتون الأمور إلا مواربة ، ولا ينظرون إليها إلا بأبصار زائغة منحرفة !