عبد الكريم الخطيب

189

التفسير القرآنى للقرآن

وما ذا على هؤلاء الذين يدعون إلى الإيمان بما أنزل اللّه ، لو نظروا بعقولهم في هذا الذي يدعون إليه ، فإن صحّ في عقولهم ، واستقام مع الحق البعيد عن الهوى ، اتبعوه عن علم ، ولا عليهم أن يكون موافقا أو مخالفا لما عليه آباؤهم . . فإن كان موافقا له ، زاد إيمانهم إيمانا ، ويقينهم يقينا ، وإن كان مخالفا وقوا أنفسهم شرّ الهاوية التي كانوا سيهوون إليها ، لو أنهم اقتفوا آثار آبائهم ، وسلكوا مسلكهم ! وفي قوله تعالى : « وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً » تصوير كاشف لحال هؤلاء الذي لبسوا الكفر تقليدا ومتابعة وإرثا ، فجمدوا على ما هم فيه ، وأبوا أن يتحولوا عنه ، ولو زلزلت الأرض بهم . . إنهم - وهذا شأنهم - لا يستمعون لداع ، ولا يستجيبون لمناد ، فلا تختلف حالهم كثيرا عن حال الحيوان الأعجم الهائم على وجهه ، يهتف به : أن أقبل ، أو اتجه يمينا أو يسارا ، أو ما أشبه ذلك ، فلا تترجم هذه المعاني في سمعه إلا على أنها أصوات هائمة ، لا معقول لها عنده ، فتسقط الكلمات على أدنه كما تسقط الحجارة على الحجر ! « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » فلقد سدّت عليهم منافذ العلم ، وأغلقت دون عقولهم أبواب المعرفة . وفي قوله تعالى : « يَنْعِقُ » إشارة إلى أن الكلمات التي يهتف بها الهاتف إلى هذا الحيوان هي بالنسبة إليه نعيق ، ولهذا عبّر عنها بما هي صائرة إليه ، لا بما كانت عليه عند منطلقها من فم قائلها ! الآيتان : ( 172 - 173 ) [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )