عبد الكريم الخطيب
174
التفسير القرآنى للقرآن
التفسير : الطاعات والاستقامة عليها ، لها أعباؤها التي تحتاج إلى قوة احتمال ومجاهدة ، ولكي يقوى الإنسان على حمل هذه الأعباء ، كان لا بد له من زاد يعينه ، ويمسك عليه عزمه ومضاءه . . والصبر والصلاة هما خير ما يتزود الإنسان به ، لكي يجد من نفسه القدرة على الوفاء ببعض حق اللّه عليه . والصبر قوة معنوية لا يحصل عليها الإنسان إلا بعد رياضة ومعاناة ، وتلك الرياضة وهذه المعاناة يحتاجان إلى الصبر ، والصبر يحتاج إليهما . . وإذن فالدعوة إلى الصبر دعوة إلى التمرس بالطاعات أولا ، والتعود على أداء الواجبات ، فذلك هو الذي يخلق في الإنسان خلق الصبر . . وفي هذا يقول اللّه سبحانه للنبي الكريم : « وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها » . . فأداء الصلاة والمداومة عليها يحتاج إلى الصبر والمصابرة ، وبذلك توضع الخمائر الأولى للصبر في كيان الإنسان ، ومع الزمن ينمو الصبر ، ويصبح قوة عاملة في الإنسان . هذا ويذهب بعض المفسّرين إلى أن معنى الصّبر في قوله تعالى : « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ » هو « الصوم » إذ كان الصوم في صميمه تجربة حية مباشرة لغرس بذرة الصبر وإرواء نبتته ، ولهذا سمّى رمضان شهر الصبر . ونحن نأخذ بهذا المعنى للصبر ، ونرى في التعبير القرآني عن الصوم بالصبر إعجازا من إعجاز القرآن ، حيث كان الصبر والصوم متلازمين ، لا وجود لأحدهما بغير الآخر ، فلا صوم إلا مع الصبر ، ولا صبر إلا ومعه صوم وحرمان . . صوم عن مكروه ، وحرمان من محبوب ! . ولأن الصوم لا يكون إلا ومن ورائه الصبر ، كان التعبير عنه بالصبر أولى من التعبير عن الصبر بالصوم ، إذ قد يكون الصبر ولا صوم ، ولكن لا يكون