عبد الكريم الخطيب

175

التفسير القرآنى للقرآن

الصوم بغير الصبر ! . والجهاد في سبيل اللّه ، والانتظام في صفوف المجاهدين ، والإقدام على ملاقاة الأعداء ، والتعرض لمواجهة الموت - ذلك كله يحتاج إلى رصيد عظيم من الصبر والإيمان . . ولهذا جاءت دعوة اللّه إلى الجهاد في سبيل اللّه ، بعد دعوته إلى الاستعانة بالصبر والصلاة ، على المحن والشدائد . والجهاد في سبيل اللّه ، محفوف دائما بالبذل والتضحية . . بذل المال ، وتضحية النفس ، والأهل والولد . والابتلاء بفقد الأحباب - ولو كان في سبيل اللّه - شاق على النفس ، أليم وقعه على الأحياء ، ولهذا لم يكن الفيء إلى الصبر والصلاة - مهما كان شأنهما - بالذي يقهر نوازع الحزن ، ويذهب بلواعج الأسى في هذا المقام . . ولهذا جاءت تلك المواساة الكريمة الرحيمة من رب العالمين ، لتمسح بيد الرحمة على ما بقلوب المبتلين بفقد أحبابهم ، والمصابين باستشهاد أهليهم ، من آلام وأحزان ، فهؤلاء الشهداء - كما يخبر رب العالمين - ليسوا بالأموات ، وإنما هم أحياء . في أطيب منزل ، وعند أرحب جناب : « عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » ( 179 - 170 : آل عمران ) إن لهؤلاء الشهداء شأنا آخر عند اللّه غير شأن غيرهم ممن ينقلون من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة . . فهم أحياء عند ربّهم وإن كنا لا نشعر بحياتهم ، هم في عالم ونحن في عالم ، وبين العالمين حجاز . . وحسب المؤمن أن يتلقّى هذا الخبر عن اللّه تعالى فيعلم ، عن يقين أن الشهداء أحياء ، يلبسون صورة للحياة أكرم وأبقى من الحياة التي كانوا عليها . . وهم في نعيم لا يقاس به أي نعيم ينعم به المنعمون في هذه الدنيا .