عبد الكريم الخطيب
109
التفسير القرآنى للقرآن
المشركين . . فلما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وبدأ دعوته بعشيرته الأقربين امتثالا لقوله تعالى « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » ( 214 : الشعراء ) وحين سبق إلى الإيمان به نفر من قومه ، تردد اليهود وتوقفوا ، ثم لما أن سبقهم الأنصار من الأوس والخزرج إلى الإيمان ، تنمّروا وتنكروا ، وأخذوا يمكرون بالدعوة الإسلامية ، ويظاهرون مشركي قريش عليها ، إذ أن سبق من سبق من المهاجرين والأنصار قد فوّت عليهم الاستيلاء على الدّعوة وحجزها في محيطهم وحدهم دون الناس ، لأنهم يريدون أن يستولوا على كل شئ ، ويستأثروا بكل شئ ، فإن كان أمر لأحد معهم فيه نصيب أعلنوا الحرب عليه ، وحاولوا إفساده بكل سبيل ، حتى لا ينتفع به ! . ولهذا تشوه دعوة الإسلام في أعينهم ويتحول الحق الذي عرفوه إلى باطل ، يأتمرون به ويحاربونه ، سرا وجهرا . وقد سجّل اللّه سبحانه وتعالى عليهم هذا الموقف اللئيم في قوله سبحانه : « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ » . . إن الحسد ليأكل صدورهم ، وإن الشّره ليعمى أبصارهم ، حتى إنهم ليهلكون أنفسهم ، ويحرمونها موارد الخير ، لأن غيرهم قد سبقهم إلى هذا الخير ونال منه . وهو خير لا ينفد أبدا ، يسع الناس جميعا ، ومع هذا فهم يريدونه خالصا لهم من دون الناس ، لا ينال أحد شيئا منه . . وقد غضب اللّه عليهم غضبا بعد غضب ، غضب عليهم أولا ، لأنهم عرفوا الحق ولم ينصروه ، بل خذلوه ومكروا به وحاربوه . . وغضب عليهم ثانيا ، لأنهم نقضوا الميثاق