الغزالي
54
إحياء علوم الدين
ومن ذلك المحاكاة ، كأن يمشى متعارجا ، أو كما يمشى ، فهو غيبة ، بل هو أشد من الغيبة ، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم . ولما رأى صلى الله عليه وسلم عائشة حاكت امرأة قال [ 1 ] « ما يسرّنى أنّى حاكيت إنسانا ولى كذا وكذا » وكذلك الغيبة بالكتابة ، فإن القلم أحد اللسانين . وذكر المصنف شخصا معينا ، وتهجين كلامه في الكتاب غيبة ، إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره ، كما سيأتي بيانه . وأما قوله : قال قوم كذا ، فليس ذلك غيبة . إنما الغيبة التعرض لشخص معين إما حي وإما ميت ومن الغيبة أن تقول بعض من مر بنا اليوم ، أو بعض من رأيناه ، إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا ، لأن المحذور تفهيمه ، دون ما به التفهيم . فأما إذا لم يفهم عينه جاز كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ 2 ] إذا كره من إنسان شيئا ، قال « ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا » فكان لا يعين . وقولك بعض من قدم من السفر ، أو بعض من يدعى العلم ، إن كان معه قرينة تفهم عين الشخص ، فهي غيبة وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين . فإنهم يفهمون المقصود ، على صيغة أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ، ويفهمون المقصود . ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين ، الغيبة والرياء . وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان ، فيقول ، الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان ، والتبذل في طلب الحطام . أو يقول ، نعوذ باللَّه من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منها . وإنما قصده أن يفهم عيب الغير ، فيذكره بصيغة الدعاء . وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته ، فيقول ما أحسن أحوال فلان ، ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور ، وابتلى بما يبتلى به كلنا ، وهو قلة الصبر . فيذكر نفسه ، ومقصوده أن يذم غيره في ضمن ذلك ، ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين ، بأن يذم نفسه . فيكون مغتابا ومرائيا ، ومزكيا نفسه . فيجمع بين ثلاث فواحش ، وهو بجهله ، يظن أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة . ولذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل ، إذا اشتغلوا بالعبادة من غير علم فإنه يتبعهم ، ويحبط بمكايده عملهم ، ويضحك عليهم ، ويسخر منهم