الغزالي

55

إحياء علوم الدين

ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان ، فلا يتنبه له بعض الحاضرين ، فيقول سبحان الله ما أعجب هذا ، حتى يصغى إليه ، ويعلم ما يقول . فيذكر الله تعالى ، ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه ، وهو يمتن على الله عز وجل بذكره ، جهلا منه وغرورا . وكذلك يقول ، ساءني ما جرى على صديقنا من الاستخفاف به ، نسأل الله أن يروح نفسه . فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء له . بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته . ولو كان يغتم به لاغتم أيضا بإظهار ما يكرهه . وكذلك يقول ، ذلك المسكين قد بلى بآفة عظيمة ، تاب الله علينا وعليه . فهو في كل ذلك يظهر الدعاء ، والله مطلع على خبث ضميره ، وخفي قصده . وهو لجهله لا يدرى أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له الجهال إذا جاهروا ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب . فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها ، وكأنه يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق . فيقول ، عجب ، ما علمت أنه كذلك ، ما عرفته إلى الآن إلا بالخير ، وكنت أحسب فيه غير هذا ، عافانا الله من بلائه . فإن كل ذلك تصديق للمغتاب ، والتصديق بالغيبة غيبة ، بل الساكت شريك المغتاب ، قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « المستمع أحد المغتابين » وقد روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، [ 2 ] أن أحدهما قال لصاحبه : إن فلانا لنئوم ، ثم إنهما طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليأكلا به الخبز . فقال صلى الله عليه وسلم « قد ائتدمتما » فقالا ما نعلمه . قال « بلى إنّكما أكلتما من لحم أخيكما » فانظر كيف جمعهما ، وكان القائل أحدهما ، والآخر مستمعا . وقال للرجلين اللذين قال أحدهما ، أقعص الرجل كما يقعص الكلب [ 3 ] « انهشا من هذه الجيفة » فجمع بينهما . فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة ، إلا أن ينكر بلسانه ، أو بقلبه إن خاف ، وإن قدر على القيام ، أو قطع الكلام بكلام آخر ، فلم يفعل