الغزالي
46
إحياء علوم الدين
قلب الغير بالمزاح ، كقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يدخل الجنّة عجوز » وقوله للأخرى الذي في عين زوجك بياض ، وللأخرى نحملك على ولد البعير ، وما أشبهه وأما الكذب الصريح ، كما فعله نعيمان الأنصاري مع عثمان ، في قصة الضرير ، إذ قال له إنه نعيمان ، وكما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى ، بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدى إلى إيذاء قلب ، فهو حرام . وإن لم يكن إلا لمطايبته ، فلا يوصف صاحبها بالفسق ، ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه . قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا يكمل للمرء الإيمان حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه وحتّى يجتنب الكذب في مزاحه » وأما قوله عليه السلام [ 3 ] « إنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة ليضحك بها النّاس يهوى بها في النّار أبعد من الثريّا ، أراد به ما فيه غيبة مسلم ، أو إيذاء قلب ، دون محض المزاح ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ، ما جرت به العادة في المبالغة ، كقوله طلبتك كذا وكذا مرة ، وقلت لك كذا مائة مرة ، فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها ، بل تفهيم المبالغة . فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا . وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة ، لا يأثم ، وإن لم تبلغ مائة . وبينهما درجات ، يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ومما يعتاد الكذب فيه ، ويتساهل به ، أن يقال كل الطعام ، فيقول لا أشتهيه . وذلك منهي عنه ، وهو حرام ، وإن لم يكن فيه غرض صحيح . قال مجاهد : [ 4 ] قالت أسماء بنت عميس . كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم