الغزالي
45
إحياء علوم الدين
وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب . فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة ، فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ، ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روى أن مطرفا دخل على زياد ، فاستبطأه . فتعلل بمرض وقال : ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله . وقال إبراهيم ، إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب ، فقل إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء . فيكون قوله ما حرف نفى عند المستمع ، وعنده للإبهام وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه . فلما رجع ، قالت له امرأته ، ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم ؟ وما كان قد أتاها بشيء ، فقال : كان عندي ضاغط . قالت : كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر رضي الله عنه ، فبعث عمر معك ضاغطا ! وقامت بذلك بين نسائها ، واشتكت عمر . فلما بلغه ذلك ، دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا ؟ قال لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك . فضحك عمر رضي الله عنه ، وأعطاه شيئا ، فقال أرضها به . ومعنى قوله ضاغطا يعنى رقيبا ، وأراد به الله تعالى وكان النخعي لا يقول لابنته أشترى لك سكرا ، بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكرا ؟ فإنه ربما لا يتفق له ذلك . وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار ، قال للجارية ، قولي له أطلبه في المسجد ، ولا تقولي ليس هاهنا ، كيلا يكون كذبا . وكان الشعبي إذا طلب في المنزل وهو يكرهه ، خط دائرة ، وقال للجارية ضعي الإصبع فيها وقولي ليس هاهنا وهذا كله في موضع الحاجة . فأما في غير موضع الحاجة فلا ، لان هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا ، فهو مكروه على الجملة . كما روى عبد الله بن عتبة قال ، دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ، فخرجت وعلىّ ثوب ، فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين ؟ فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا . فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه . فنهاه عن ذلك ، لأن فيه تقرير الهم على ظن كاذب ، لأجل غرض المفاخرة ، وهذا غرض باطل لا فائدة فيه . نعم : المعاريض تباح لغرض خفيف ، كتطييب