الغزالي
44
إحياء علوم الدين
ومما يلتحق بالنساء الصبيان . فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا بوعد ، أو وعيد ، أو تخويف كاذب ، كان ذلك مباحا . نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبا ولكن الكذب المباح أيضا قد يكتب ، ويحاسب عليه ، ويطالب بتصحيح قصده فيه ، ثم يعفى عنه ، لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ، ويتطرق إليه غرور كبير ، فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه ، وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح ، فلهذا يكتب وكل من أتى بكذبة ، فقد وقع في خطر الاجتهاد ، ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا . وذلك غامض جدا . والحزم تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه ، كما لو أدى إلى سفك دم ، أو ارتكاب معصية كيف كان وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال ، وفي التشديد في المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح . وهو خطأ محض ، إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار » وهذا لا يرتكب إلا لضرورة ، ولا ضرورة . إذ في الصدق مندوحة عن الكذب . ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها . وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه ، وما هو جديد فوقعه أعظم ، فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله تعالى ، ويؤدى فتح بابه إلى أمور تشوّش الشريعة ، فلا يقاوم خير هذا شره أصلا . والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء ، نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين بيان الحذر من الكذب بالمعاريض قد نقل عن السلف : أن في المعاريض مندوحة عن الكذب . قال عمر رضي الله عنه : أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب ! وروى ذلك عن ابن عباس وغيره .