الغزالي
43
إحياء علوم الدين
وأما عرض غيره ، فبأن يسأل عن سر أخيه ، فله أن ينكره . وأن يصلح بين اثنين ، وأن يصلح بين الضرات من نسائه ، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه . وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه ، فيعدها في الحال تطييبا لقلبها . أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد ، فلا بأس به . ولكن الحد فيه ، أن الكذب محذور . ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور . فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ، ويزن بالميزان القسط . فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق ، أشد وقعا في الشرع من الكذب ، فله الكذب . وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق ، فيجب الصدق . وقد يتقابل الأمران ، بحيث يتردد فيهما ، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى ، لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة . فإن شك في كون الحاجة مهمة ، فالأصل التحريم ، فيرجع إليه . ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ، ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه . وكذلك مهما كانت الحاجة له ، فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب . فأما إذا تعلق بغرض غيره ، فلا تجوز المسامحة لحق الغير ، والإضرار به . وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم . ثم هو لزيادات المال والجاه ، ولأمور ليس فواتها محذورا ، حتى أن المرأة لتحكى عن زوجها ما تفخر به ، وتكذب لأجل مراغمة الضرات ، وذلك حرام . وقالت أسماء [ 1 ] ، سمعت امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ، إن لي ضرة ، وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل ، أضارّها بذلك . فهل علىّ شيء فيه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم « المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور » وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من تطعّم بما لا يطعم أو قال لي وليس له أو أعطيت ولم يعط فهو كلابس ثوبي زور يوم القيامة » ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه ، وروايته الحديث الذي لا يثبته إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه ، فهو لذلك يستنكف من أن يقول لا أدرى ، وهذا حرام