الغزالي

31

إحياء علوم الدين

فأما من جعل نفسه مسخرة ، وربما فرح من أن يسخر به ، كانت السخرية في حقه من جملة المزاح ، وقد سبق ما يذم منه وما يمدح . وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما فيه من التحقير والتهاون ، وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم أو على أفعاله إذا كانت مشوشة ، كالضحك على خطه ، وعلى صنعته ، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا ، أو ناقصا لعيب من العيوب . فالضحك من جميع ذاك داخل في السخرية المنهي عنها الآفة الثانية عشرة إفشاء السر وهو منهي عنه ، لما فيه من الإيذاء ، والتهاون بحق المعارف والأصدقاء . قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي أمانة » وقال [ 2 ] مطلقا « الحديث بينكم أمانة » وقال الحسن : إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ويروى أن معاوية رضي الله عنه ، أسرّ إلى الوليد بن عتبة حديثا . فقال لأبيه ، يا أبت إن أمير المؤمنين أسرّ إلىّ حديثا ، وما أراه يطوى عنك ما بسطه إلى غيرك . قال فلا تحدثني به ، فإن من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه . قال . فقلت يا أبت ، وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه ؟ فقال : لا والله يا بني ، ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر . قال : فأتيت معاوية فأخبرته ، فقال . يا وليد ، أعتقك أبوك من رق الخطأ فإفشاء السر خيانة ، وهو حرام إذا كان فيه إضرار ، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار . وقد ذكرنا ما يتعلق بكتمان السر في كتاب آداب الصحبة ، فأغنى عن الإعادة الآفة الثالثة عشرة الوعد الكاذب فإن اللسان سباق إلى الوعد ، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء ، فيصير الوعد خلفا ، وذلك