الغزالي
30
إحياء علوم الدين
* ( عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ولا نِساءٌ من نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ) * « 1 » ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير ، والتنبيه على العيوب والنقائص ، على وجه يضحك منه . وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول ، وقد يكون بالإشارة والإيماء . وإذا كان بحضرة المستهزأ به ، لم يسم ذلك غيبة ، وفيه معنى الغيبة . قالت عائشة رضي الله عنها ، [ 1 ] حاكيت إنسانا ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم « والله ما أحبّ أنّى حاكيت إنسانا ولى كذا وكذا » وقال ابن عباس في قوله تعالى : * ( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) * « 2 » إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن ، والكبيرة القهقهة بذلك . وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر . وعن عبد الله بن زمعة [ 2 ] أنه قال ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال « علام يضحك أحدكم ممّا يفعل ! » وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ المستهزئين بالنّاس يفتح لأحدهم باب من الجنّة فيقال هلمّ هلمّ فيجيء بكر به وغمّه فإذا أتاه أغلق دونه ثمّ يفتح له باب آخر فيقال هلمّ هلمّ فيجيء بكر به وغمّه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتّى إنّ الرّجل ليفتح له الباب فيقال له هلمّ هلمّ فلا يأتيه » وقال معاذ بن جبل [ 4 ] قال النبي صلى الله عليه وسلم « من عيّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتّى يعمله » وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير ، والضحك عليه استهانة به واستصغارا له . وعليه نبه قوله تعالى * ( عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ) * « 3 » أي لا تستحقره استصغارا ، فلعله خير منك . وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به .
--> « 1 » الحجرات : 11 « 2 » الكهف : 49 « 3 » الحجرات : 11