الغزالي
29
إحياء علوم الدين
فقال « يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشّراد بعد ؟ » قال فسكت واستحييت ، وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه ، حتى قدمت المدينة ، وبعد ما قدمت المدينة ، قال فرآني في المسجد يوما أصلي ، فجلس إلىّ ، فطولت ، فقال « لا تطوّل فإنّى أنتظرك » فلما سلمت قال « يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشّراد بعد ؟ » قال فسكت واستحييت ، فقام ، وكنت بعد ذلك أتفرر منه ، حتى لحقني يوما وهو على حمار ، وقد جعل رجليه في شق واحد فقال « أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشّراد بعد ؟ » فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال « الله أكبر الله أكبر اللَّهمّ اهد أبا عبد الله » قال فحسن إسلامه وهداه الله وكان نعيمان الأنصاري [ 1 ] رجلا مزاحا ، فكان يشرب الخمر في المدينة ، فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضربه بنعله ، ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم . فلما كثر ذلك منه ، قال له رجل من الصحابة : لعنك الله . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « لا تفعل فإنّه يحبّ الله ورسوله » وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ، ثم أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول يا رسول الله ، هذا قد اشتريته لك ، وأهديته لك . فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن ، جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال يا رسول الله ، أعطه ثمن متاعه . فيقول له صلى الله عليه وسلم « أو لم تهده لنا ؟ » فيقول يا رسول الله ، إنه لم يكن عندي ثمنه ، وأحببت أن تأكل منه . فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ويأمر لصاحبه بثمنه فهذه مطايبات يباح مثلها على الندور ، لا على الدوام . والمواظبة عليها هزل مذموم ، وسبب للضحك المميت للقلب الآفة الحادية عشرة السخرية والاستهزاء وهذا محرم مهما كان مؤذيا ، كما قال تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ من قَوْمٍ