الغزالي

201

إحياء علوم الدين

وأما المكدى ، فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره ، وقيل له أتعب واعمل كما عمل غيرك فما لك والبطالة ، فلا يعطى شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال ، وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة ، فاحتالوا للتعلل بالعجز ، إما بالحقيقة ، كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ، ليعذروا بالعمى فيعطون . وإما بالتعامي ، والتفالج ، والتجانن ، والتمارض ، وإظهار ذلك بأنواع من الحيل ، مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ، ليكون ذلك سبب الرحمة وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا ، بتعجب الناس منها ، حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخوا برفع اليد عن قليل من المال في حال التعجب ، ثم قد يندم بعد زوال التعجب ، ولا ينفع الندم . وذلك قد يكون بالتمسخر ، والمحاكاة ، والشعبذة ، والأفعال المضحكة وقد يكون بالأشعار الغريبة ، والكلام المنثور المسجع ، مع حسن الصوت . والشعر الموزون أشد تأثيرا في النفس ، لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت . أو الذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين في الأسواق وصنعة ما يشبه العوض وليس بعوض ، كبيع التعويذات والحشيش ، الذي يخيل بائعه أنها أدوية ، فيخدع بذلك الصبيان والجهال ، وكأصحاب القرعة والفأل من المنجمين . ويدخل في هذا الجنس الوعاظ ، والمكدون على رؤس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل علمي ، وكان غرضهم استمالة قلوب العوام ، وأخذ أموالهم بأنواع الكدية ، وأنواعها تزيد على ألف نوع وألفين ، وكل ذلك استنبط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها ، وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ، ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ، ومقصودهم ، ومنقلبهم ، ومآبهم فتاهوا وضلوا ، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا ، خيالات فاسدة ، فانقسمت مذاهبهم ، واختلفت آراؤهم على عدة أوجه . فطائفة غلبهم الجهل والغفلة ، فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم ، فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكسب القوت ، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ، ثم يكسبون ليأكلوا . وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ، ومن ليس له تنعم في الدنيا ، ولا قدم في الدين . فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ، ويأكل ليلا ليتعب نهارا