الغزالي
202
إحياء علوم الدين
وذلك كسير السواني ، فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت . وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا لأمر ، وأنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا ، بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا ، وهي شهوة البطن والفرج ، فهؤلاء نسوا أنفسهم ، وصرفوا هممهم إلى اتباع النسوان ، وجمع لذائذ الأطعمة . يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غاية السعادة . فشغلهم ذلك عن الله تعالى وعن اليوم الآخر . وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال ، والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ليلهم ، وأتعبوا نهارهم في الجمع ، فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ، ويترددون في الأعمال الشاقة ، ويكتسبون ويجمعون ، ولا يأكلون إلا قدر الضرورة ، شحا وبخلا عليها أن تنقص ، وهذه لذتهم ، وفي ذلك دأبهم وحركتهم ، إلى أن يدركهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات ، فيكون للجامع تعبه ووباله ، وللآكل لذته . ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك ولا يعتبرون وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن الاسم ، وانطلاق الألسنة بالثناء ، والمدح بالتجمل والمروءة ، فهؤلاء يتعبون في كسب المعاش ، وبضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ، ويصرفون جميع ما لهم إلى الملابس الحسنة ، والدواب النفيسة . ويزخرفون أبواب الدور ، وما يقع عليها أبصار الناس ، حتى يقال إنه غنى ، وإنه ذو ثروة ، ويظنون أن ذلك هي السعادة فهمتهم في نهارهم وليلهم ، في تعهد موقع نظر الناس . وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس ، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير ، فصرفوا هممهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولايات ، وتقلد الأعمال السلطانية ، لينفذ أمرهم بها على طائفة من الناس ، ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم ، وانقادت لهم رعاياهم ، فقد سعدوا سعادة عظيمة وأن ذلك غاية المطلب . وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس ، فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله ، وعن عبادته ، وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم ووراء هؤلاء طوائف يطول حصرها ، تزيد على نيف وسبعين فرقة ، كلهم قد ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل . وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن ، ونسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة ، والقدر الذي يكفي منها ، وانجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها ، وتداعى بهم ذلك إلى مهاو لم يمكنهم الرقي منها