الغزالي

200

إحياء علوم الدين

الليل والنهار في الأسفار لغرض غيرهم ، ونصيبهم منها جمع المال الذي يأكله لا محالة غيرهم إما قاطع طريق ، وإما سلطان ظالم . ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد . بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة . ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا . ولو فعلوا ذلك ، لبطلت المعايش ولو بطلت لهلكوا ، ولهلك الزهاد أيضا ثم هذه الأموال التي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها ، فتحتاج إلى دواب تحملها . وصاحب المال قد لا تكون له دابة ، فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمي الإجارة . ويصير الكراء نوعا من الاكتساب أيضا . ثم يحدث بسبب البياعات الحاجة إلى النقدين ، فإن من يريد أن يشترى طعاما بثوب ، فمن أين يدرى المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو . والمعاملة تجرى في أجناس مختلفة ، كما يباع ثوب بطعام ، وحيوان بثوب . وهذه أمور لا تتناسب ، فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين ، يعدل أحدهما بالآخر ، فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ، ثم يحتاج إلى مال يطول بقاؤه لأن الحاجة إليه تدوم . وأبقى الأموال المعادن ، فاتخذت النقود من الذهب ، والفضة ، والنحاس . ثم مست الحاجة إلى الضرب ، والنقش ، والتقدير ، فمست الحاجة إلى دار الضرب والصيارفة : وهكذا تتداعى الاشغال والأعمال بعضها إلى بعض ، حتى انتهت إلى ما تراه فهذه أشغال الخلق ، وهي معاشهم . وشئ من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء . وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به ، أو يمنعه عنه مانع ، فيبقى عاجزا عن الاكتساب ، لعجزه عن الحرف . فيحتاج إلى أن يأكل مما يسعى فيه غيره ، فيحدث منه حرفتان خسيستان ، اللصوصية ، والكداية . إذ يجمعهما أنهما يأكلان من سعي غيرهما . ثم الناس يحترزون من اللصوص والمكدين ، ويحفظون عنهم أموالهم ، فافتقروا إلى صرف عقولهم في استنباط الحيل والتدابير أما اللصوص ، فمنهم من يطلب أعوانا ، ويكون في يديه شوكة وقوة ، فيجتمعون ويتكاثرون ، ويقطعون الطريق كالأعراب والأكراد . وأما الضعفاء منهم ، فيفزعون إلى الحيل ، إما بالنقب أو التسلق عند انتهاز فرصة الغفلة ، وإما بأن يكون طرارا أو سلالا ، إلى غير ذلك من أنواع التلصص ، الحادثة بحسب ما تنتجه الأفكار المصروفة إلى استنباطها